فجوع المعدة يصرخ فيهدأ بلقمة، أما جوع النفس إذا تسلل عبر المقارنة، فلا يسكت ولو امتلأت الموائد وتكدست الأموال.
نحن لا نجوع لأن بطوننا خاوية بل لأن أعيننا امتلأت بما عند غيرنا حتى فرغت قلوبنا مما في أيدينا، فأخطر انواع الجوع.. جوع المقارنة.
ومنذ اللحظة التي تبدأ فيها المقارنة يبدأ تسرب الرضا ويبدأ القلب رحلة شقاء صامتة لا يراها أحد.
العين التي تقارن تفقر صاحبها..
العين خلقت لتبصر النعمة لا لتعد نعم الآخرين.
لكنها حين تنشغل بالمقارنة تحول الوفرة إلى عوز، والغنى إلى شعور بالفقر.
يرى الإنسان ما في يد غيره، فيكبر ويرى ما في يده فيصغر فيفقد طمأنينته وهو في قلب النعم وهكذا لا يطلب المزيد لأنه محتاج بل لأنه غير راض فيتحول السعي من شكر إلى سباق ومن امتنان إلى قلق ومن رضا إلى جوع لا يشبع.
الامتنان صمام أمان النفس.. حين يتعلم القلب الامتنان يتوقف عن الركض خلف ما عند الناس ويعود إلى ترتيب نعمته الداخلية.
كذلك الامتنان لا يزيد الرصيد في الحساب البنكي فقط، بل يوسع المساحة في القلب ويعيد إليه هدوءه ومن يمارس الامتنان يرى النعمة حاضرة. ومن يتركه يرى النقص متضخما ولو عاش في وفرة.. فالقناعة ليست قلة طموح، بل وعي بالقسمة وفهم أن الله لا يخطئ العطاء وأن ما عندك لم يأت صدفة وما فاتك لم يكن لك.
الشبع الحقيقي كلمة واحدة.. الشبع الحقيقي ليس كثرة المال ولا اتساع البيوت ولا امتلاء الموائد..الشبع الحقيقي لحظة صادقة في القلب تقول كفى.. ومن قال كفى استراح، ومن استراح تحرر من سباق المقارنات ومن تحرر صار أغنى الناس ولو لم يملك إلا قلباً مطمئنا.
ختاما:
أخطر أنواع الجوع ليس جوع الجسد، بل جوع المقارنة، وأسلم طريق للنجاة منه أن نربي في قلوبنا الامتنان، ونغلق أبواب النظر لما في أيدي الناس، ونفتح أعيننا لما بين أيدينا من نعم، فالرضا لا يعني التوقف عن الطموح، بل يعني أن تسعى وقلبك ممتلئ لا جائع، ومن امتلأ قلبه قناعة صار أغنى من كثيرين يملكون كل شيء ولا يملكون أنفسهم.
[email protected]


