«يوم التأسيس» السعودي يُطل بوصفه لحظة وعيٍ سياسي وأخلاقي، ففي عام 1727 انطلقت من الدرعية بذرة دولة تعرف أن الاجتماع أصل القوة، وأن الاستقرار قرار شجاع في وجه الفوضى، الفكرة سبقت الجغرافيا، والرؤية سبقت الامتداد، من هنا تتجلى قيمة التأسيس: صياغة عقدٍ بين الإنسان ومكانه، وبين السلطة ومسؤوليتها، وبين الهوية وعمقها الحضاري.
تعاقبت المراحل، وتبدلت الظروف، وبقي الخيط مشدوداً بين الجذور والآفاق، من الدولة السعودية الأولى إلى الثانية، وصولاً إلى توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز، تبلورت معادلة دقيقة تجمع الثبات والمرونة، الدولة هنا منظومة قيم تحرسها إرادة، وتغذيها ذاكرة، وتدفعها رؤية إلى الأمام، لذلك ظل التأسيس روحاً متحركة، لا صفحة مطوية.
من البحرين، لا بوصفها جارة جغرافية فحسب، بل شقيقة قدر ومصير، حين نتأمل يوم التأسيس السعودي، نقرأ فيه فصولاً من ترابط خليجي راسخ، تتجلى معالمه في التاريخ المشترك، وفي الدم الذي امتزج دفاعاً عن الأرض، وفي الجسر الذي يصل المنامة بالخبر، كأنه شريان واحد في جسدٍ واحد، العلاقة بين مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية تتجاوز السياسة إلى نسيج اجتماعي وثقافي واقتصادي متداخل، عائلات تتقاسم الأفراح، أسواق تتبادل النبض، ومواقف تتوحد ساعة الشدة.
أرى في «يوم التأسيس» السعودي درساً خليجياً في معنى الاستقرار، استقرار الرياض يعزز اطمئنان المنامة، وقوة السعودية عمقٌ استراتيجي للبحرين، كما أن البحرين كانت دوماً حاضرة في وجدان السعودية، هذه ليست عبارات مجاملة، بل قراءة واقعية لتاريخ تماسك في وجه التحولات، مجلس التعاون الخليجي لم ينشأ من فراغ، بل من وعيٍ مبكر بأن الجغرافيا قدر، وأن التضامن خيار واعٍ يحمي المستقبل.
«يوم التأسيس» لا يقف عند حدود وطن واحد، بل يرسل ظلاله على الخليج بأسره، إنه يذكّرنا بأن الدولة حين تُبنى على فكرة واضحة، تصبح ركيزة استقرار لمحيطها، والاحتفاء به من البحرين مشاركة وجدانية في قصة نجاح خليجية ممتدة.
وحين أستعيد صورة الفتى وأبيه فوق رمال الدرعية، أرى المشهد اليوم أوسع، الرمال تمتد من قلب الجزيرة إلى سواحل الخليج، وتحمل معها ذاكرة مشتركة، التأسيس روح تسري بين الأشقاء، وعهد يتجدد بأن يبقى الخليج مساحة تضامن وقوة، تلك هي البصمة التي تستقر في الذاكرة، أن الجوار حين يتكئ على الأخوّة، يتحول إلى قدر جميل لا تهزه الرياح.
إعلامية وباحثة أكاديمية
[email protected]



