«بوق القطار.. أشد الأصوات وحدةً في الدنيا»؛ جاءت هذه العبارة على لسان الشخصية الرئيسة في مسلسل بلوريبوس «Pluribus»، ولا أدري إن كنت مصيبًا إن عربتها وترجمتها لتكون «الوحدنة»؛ ويحكي المسلسل قصة روائية شهيرة تحيط بها أحداث غريبة تبقيها مع 12 إنسانا آخر حول العالم دون لوثةٍ ذهنية تصيب البشر؛ والعبارة تُشعل قلب من يسمعها بتركيز للمرة الأولى، وتدفعك للقول: فعلاً.. هناك أنماط من الوحدة لا نعيها ولا ننتبه إليها، كالقطار تماماً حين ننشغل بهيبته وضخامته وصبره على السير في أعتى التضاريس والمناخات، ننسى ما يعانيه من وحدةٍ مرعبة.
البشر أيضاً لديهم هذا النوع من الوحدة، فمن يبتعد عن ركب النفاق الجماعي سيُترك وحيداً، ومن لا يفكّر على طريقة ومنهجية القطيع «وحيد»، وصاحب الفكرة النيّرة قبل أن ترى النور «وحيد»، وصاحب القناعة يتكبّد مرارة الوحدة لإيمانه الراسخ بقناعته التي لا يشاركه فيها من حوله، وكل هؤلاء يمكن لأصحاب القلوب الشفافة أن يلمحوهم بسهولة وأن يميّزوا معاناتهم من الوحدة النوعيّة القاسية، أما البقية، فلا يعون في الغالب ألم العُزلة والوحدة التي تقاسيها هذه النماذج الإنسانية المذهلة والموجودة بيننا.
وأشد أنوع البشر عجبًا هو «الوحيد الاجتماعي»، فهذا النوع رغم نزيفه الداخلي الخفي، يمتلك مهارة إخفاء نزيف وحدته وعزلته وإظهار ما يوضّح للمجتمع أنه على وفاق مع الجميع، بل تشير الدلائل إلى أنه محاط بألف صديق وأنه مطوّق بعشرات الأحبة، وهنا نصل بالحديث إلى النوع الذي يجذب الناس، ومن طبيعته وفطرته الجميلة يجاري البشر المحيطين به أدبًا وتقديرًا، ولكنه في واقع الأمر لا يتقاسم معهم أهم قناعاتهم التي يرونها ركائز لا تنازل عنها، وتكون فرصة الراحة لـ «الوحيد الاجتماعي» هي تلك الفترات القصيرة التي يختلي فيها بنفسه، ليقرأ كتاباً، أو يرسم لوحة، أو يشاهد عملاً فنياً، أو يركن فيها لممارسةٍ سِلميّة لا يقدّم معها أي تنازلات عن قناعاته ومبادئه من باب المجاملة أو لتسيير العجلة الرتيبة للنَسَق المحيط.
[email protected]



