الصيام يا سادتي عندنا في السودان، يبدو مختلفًا، وصعبًا بعض الشيء، لكن له طعم آخر، لا أدري كيف أصفه، لعله طعمٌ يشبه طمى النيل في فيضانه، قوياً، غزيراً، وحميماً، فهو ليس مجرد شهر للصيام، بل هو الشھر، الذي تنعتق فيه الروح من سجن البدن، كما أنه موسم انفتاح البيوت على مصراعَيْها، فالرجل عندنا لا يُفطر وحده أبداً.
لطالما كان الناس في رمضان، يجتمعون دومًا في حلقات للإفطار بالساحات، حتي إذا ما كان هنالك عابر سبيل حلف الناس عليه، وأقسموا أن يجلس ويفطر معهم، رغم أن موائدنا بسيطة بساطة قلوبنا، لكنها تتسع لكل عابر سبيل، وكأننا في ضيافة الله لا في بيوتنا.
في ذلك الزمان البعيد، كنت أتصور الصيام عندنا رحلة شاقة، نوع من المكابدة، فالجوع والظمأ يختلطون فيه معاً بقيظ الصيف الحار، الذي لا يحتمل، مع انقطاع الكهرباء الدائم، خاصة عند توهج الشمس في الظهيرة، التي يمكنها أن تذيب الأجساد النحيلة، وتحيل العظام إلى رماد، ھكذا كان خيالي الصغير يصور الأمر.
أذكر أن الناس كانوا يقضون ساعات النهار الطوال في حمأة الصيف، في تسبيح وانتظار وتشوق للحظة التي يصدح فيها الآذان، وقبلها قد تأتي الصائم لحظة، يدرك فيها أن جوعه هو الذي يشبعه، وأن ظمأه هو النبع الذي يسقيه، لعل هذا هو «اليقين»، الذي يسبغه الله بفضله على الصائمين، وهو أيضا الذي يجعل لرمضان طعم مضاعف، بسبب المجاهدة والتعب.
وفي آخر النهار، يجد الصائم جرعة من السعادة، ونفحة من الفرح بانتظاره، فعندما يدخل وقت العصر، وتبدأ حدة الحر في الانكسار، يدب في الناس النشاط، ويهم النسوة في تجهيز الطعام، حيث تنتشر الروائح الشهية، والأبخرة العبقة التي تنتشر في محيط البيوت، وكأن تلك هي الجائزة التي يحصل عليها الصائم آخر يومه، فرِحًا بإفطاره مهما كان بسيطًا.
إنني أذكر بوضوح أنواعًا كثيرة من المشروبات، تحضر في هذا الشهر الفضيل، إذ لها مكانة وطعم خاص، على رأسها شراب «الابري»، و»الحلو مر» والليمون المخلوط، والبرتقال المعصور، و»قمر الدين» و»النشاه»، فضلًا عن تحضير الماء البارد في «الجردل» وهو إناء كبير، حيث يطفو الثلج على سطحه، كما تطفو الروح فوق احتياجات الجسد التي لا تنتهي.
ومثلما الصوم ھو النافذة التي تعرج من خلالها الروح، وتنعتق من سجن البدن الضيق، وتسرى إلي سماوات النور والرحمة والرضا والسمو، فإن الغربة هي سجن آخر، لكن تلك قصة أخرى.



