في هذا النموذج تُختزل قضايا الشعوب وأمن المناطق في ملفات استثمار سياسي.. تدخل هنا، تمويل هناك، دعم طرف اليوم، ثم التخلي عنه غدًا إذا تغيّر الميزان. تُدار الأزمات كفرص تمدد، لا كمسؤوليات حل، ويُقاس النجاح بحجم الحضور لا بعمق النتيجة. وهذا النمط لا يقتصر على دولة بعينها، بل يظهر كلما غلب منطق الصفقة على منطق الرسالة.. هذه العقلية تُراكم توترًا صامتًا تحت سطح المشهد. تتعامل مع الجغرافيا كخريطة مواقع لا كمجتمعات حيّة، ومع النزاعات كبوابات نفوذ لا كجراح إنسان.
وحين تتحول السياسة إلى عقود غير معلنة، يصبح القرار تابعًا لميزان الربح والخسارة، وتتراجع اعتبارات العدالة والاتزان إلى الهامش، ويبرز وجه آخر أكثر خطورة.. تضخيم مصطنع لما يُسمى «القوة الناعمة».. لكن خلف هذا البريق تتكدس الأسئلة الصعبة.. أين الأثر الحقيقي؟ ما حصيلة التدخلات؟ من يتحمل كلفة الفوضى بعد انطفاء الأضواء؟ سياسة المقاول تستعجل النتائج وتستعرض الإنجاز، لكنها تفتقر إلى النفس الطويل. تراهن على البناء السريع، وتغفل أن البناء السياسي غير المتماسك يتشقق عند أول اختبار ضغط جاد.
النفوذ الذي يُشترى بسرعة يتبخر بسرعة، والتحالف القائم على المنفعة المجردة ينهار عند أول تعارض مصالح. الدول الراسخة تُعرف بثبات اتجاهها، حتى وهي تناور، وبوضوح مرجعيتها، حتى وهي تُراجع أدواتها. أما سياسة المقاول فتُعرف بكثرة انتقالاتها، وبفيض تبريراتها، وبإعادة تسمية التراجع تموضعًا، وتغليف الصفقة استراتيجية. البحث عن المصلحة الوطنية حق مشروع، لكن تحويل الإقليم إلى سوق صفقات مفتوحة يزرع هشاشة ممتدة. الاستقرار يُبنى بالشراكات المسؤولة والرؤية بعيدة المدى، لا بعقود النفوذ المؤقتة. التاريخ لا يمنح مكانه لمن أكثر الحركة، بل لمن أحسن البناء.
[email protected]



