في بيئات الترهل تختل الموازين وتُكافأ السنوات بدل النتائج، ويُرفع شعار الاستقرار على حساب الكفاءة، ويصبح «الدوام» بديلاً عن «الإنتاج». عندها تُهدر الموارد، وتتراجع روح المبادرة، ويشعر الموظف المجتهد بالغربة داخل منظومة لا تميّز بوضوح بين من يعمل ومن ينتظر نهاية الشهر.
الترهل هنا لا يضعف الأداء فحسب، بل ينعكس سلبًا على العدالة الوظيفية داخل المؤسسات. ومن هذا الواقع تحديدًا يتشكل الخوف من الخصخصة. خوفٌ لا يرتبط بالتحول الاقتصادي بقدر ما يرتبط بالمحاسبة.
الخصخصة تعني القياس والمقارنة وربط العائد بالأثر، وهي مفاهيم مقلقة لمن اعتاد الأمان الوظيفي المنفصل عن الإنجاز. لذلك يُصوَّر هذا التحول أحيانًا كتهديد، بينما جوهره الحقيقي اختبار للجاهزية والكفاءة. الموظف القادر لا يخشى الخصخصة، لأنه يدرك أن القيمة المهنية لا تسقط بتغير الأنظمة. السوق، في نهاية المطاف، لا يبحث عن المسميات، بل عن المهارة، ولا يحمي إلا من يُتقن، ولا يُقصي إلا من توقف عن التطور.
سوء إدارة الخصخصة قد يحوّل الإصلاح إلى صدمة اجتماعية، أو يستبدل ترهلًا إداريًا بترهل ربحي، أو يخلق قلقًا عامًا يهدد الاستقرار. التحول الناجح يحتاج إلى عدالة انتقالية، وتأهيل حقيقي للموارد البشرية، وحماية للكفاءات، لا إلى قرارات متسرعة تُدار بالأرقام وحدها. الدولة الواعية لا تحمي الترهل، ولا تتخلى عن الإنسان. بل توازن بين الكفاءة والعدالة، وبين التطوير والاستقرار، وتدرك أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الثقافة قبل الهيكلة، ومن الوعي قبل الأنظمة. حينها فقط تصبح الخصخصة خيارًا واعيًا لا فزاعة، وتتحول الوظيفة من ملاذ آمن إلى مساحة عطاء حقيقي.



