ومع الانتقال من عصر الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي، برزت الحاجة إلى إعادة اختبار هذه النظرية في سياق جديد يتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي، فهذه المنصات لا تقوم على البث الأحادي الاتجاه كما هو الحال في التلفاز، بل تعتمد على التفاعل، والمشاركة، والتخصيص، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى صلاحية افتراضات الغرس الثقافي في البيئة الرقمية، وتختلف وسائل التواصل الاجتماعي عن التلفاز في طبيعة المحتوى وآلية التعرض له. ففي حين افترض جيربنر أن الجمهور يتعرض لرسائل متشابهة نسبيًا عبر قنوات محدودة، تقدم المنصات الرقمية محتوى متنوعًا يخضع لآليات الخوارزميات التي تبني تجربة إعلامية شخصية لكل مستخدم، هذه الفردنة في المحتوى توحي ظاهريًا بانتفاء فكرة «الغرس الموحد»، إلا أن الواقع يكشف نمطًا مختلفًا من الغرس؛ إذ تؤدي الخوارزميات إلى تشكيل ما يُعرف بـ»فقاعات الترشيح» و»غرف الصدى»، حيث يتعرض المستخدم بشكل متكرر لمضامين تتفق مع اهتماماته وتوجهاته السابقة، مما يعزز قناعاته القائمة ويحد من تعرضه لوجهات نظر مغايرة.
ومن هنا يمكن القول: إن الغرس الثقافي في وسائل التواصل الاجتماعي لا يقوم على توحيد الرؤية بقدر ما يقوم على تعميقها وتكثيفها داخل دوائر متجانسة فكريًا، فبدلًا من إنتاج تصور جمعي مشترك كما في التلفاز، تسهم المنصات الرقمية في إنتاج تصورات متعددة ومجزأة، لكنها شديدة الرسوخ داخل كل مجموعة، وهذا التحول يشير إلى إعادة تشكيل مفهوم «الغرس» من كونه عملية مركزية موحدة إلى عملية خوارزمية مخصصة.
وقد أشارت دراسات حديثة إلى وجود أنماط تأثير تتسق مع منطق الغرس الثقافي في البيئة الرقمية، فالاستخدام المكثف لبعض المنصات، مثل فيسبوك أو إكس أو إنستغرام، يمكن أن يؤثر في تصورات الأفراد حول قضايا الخصوصية، والعلاقات الاجتماعية، والصورة الجسدية، وحتى إدراك معدلات الجريمة أو الاستقطاب السياسي، كما أن التعرض المتكرر للأخبار أو المحتوى المرتبط بقضايا معينة قد يعزز شعورًا مبالغًا فيه بأهميتها أو انتشارها، وهو ما يتقاطع مع مفهوم «متلازمة العالم المخيف» الذي طرحه جيربنر في سياق التلفاز.
ومع ذلك، فإن تطبيق النظرية في سياق وسائل التواصل الاجتماعي يواجه تحديات منهجية ونظرية، فالمستخدم في البيئة الرقمية ليس مستقبلًا سلبيًا، بل فاعلًا يختار ويتفاعل وينتج محتوى أيضًا، كما أن تداخل المنصات وتعدد مصادر المعلومات يجعل قياس «كثافة التعرض» أكثر تعقيدًا مقارنة ببيئة البث التلفزيوني المحدودة نسبيًا؛ لذلك يتطلب توظيف نظرية الغرس الثقافي في هذا السياق إعادة صياغة بعض مفاهيمها الأساسية، مع دمجها بإطارات نظرية مكملة تفسر دور الخوارزميات والتفاعلية والانتقائية.
الغرس لم يعد عملية أحادية تنتج تصورًا موحدًا للعالم، بل أصبح عملية ديناميكية تتداخل فيها الخوارزميات مع تفضيلات المستخدمين لتنتج أنماطًا جديدة من تشكيل الإدراك الاجتماعي. ومن ثم، تظل نظرية الغرس الثقافي إطارًا تحليليًا مهمًا، شريطة تطويره بما يتواءم مع تحولات المشهد الإعلامي المعاصر.



