في الواقع أن الأرقام تشير وبحسب تقارير اليونسكو إلى أن الإذاعة ما تزال الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشاراً عالميا، حيث يقدر أنها تصل إلى «95%» من سكان العالم حتى مع النمو المتسارع للعالم الرقمي. والحقيقة أنه خلال حالات الطوارئ والكوارث وانقطاع الانترنت تصبح الإذاعة من الخيارات الأكثر سهولة ومرونة فهي تنتقل عبر الأثير. أضف إلى ذلك أنها في الغالب مجانية ولا تحتاج إلى أجهزة معقدة. وفي عصر الأخبار الزائفة التي تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي ما تزال الإذاعة أكثر موثوقية من غيرها كمصدر للأخبار والمعلومات والترفيه. وفي عصر الزخم الرقمي المرئي بسبب الشاشات تأتي الإذاعة كحل أقل توتراً واجهاداً بصرياً.
أما من الناحية التاريخية، ففكرة الإذاعة نشأت عام «1896» حين أرسل الإيطالي غوليلمو ماركوني إشارات الراديو، ولكن أول بث لصوت بشري كان عام (1906م) عبر الأطلسي. وللمعلومية حين بدأ ماركوني بالفكرة أعتقد من حوله أنه مجنون، ولكنها اليوم واقع؟! بل وحصل ماركوني على جائزة نوبل للفيزياء عام «1909م».
يوافق يوم «13» فبراير من الشهر الحالي «اليوم العالمي للإذاعة». وقد تم اعتماده منذ عام «2012م». وفي هذه السنة «2026م» يركز اليوم العالمي على دمج التكنولوجيا الحديثة مع الإذاعة تحت شعار: «الذكاء الاصطناعي أداة، وليس صوتاً» والمراد أن يكون الذكاء الاصطناعي تابعا وليس متبوعا!، لأنه حين يتدخل الذكاء الاصطناعي بشكل كلي سوف تختفي اللمسة الإنسانية والموثوقية، ونصبح محاطين بالرقمية من كل مكان، وربما تصبح الإذاعة مجالا ومصدرا خطيرا للتزييف، وللشائعات، والشعارات الطنانة!
وتذكر هيئة الأمم عن هذا اليوم قائلة: «وتشجع مبادرة اليوم العالمي للإذاعة لعام 2026 التابعة ليونسكو المحطات الإذاعية على التعامل مع الذكاء الصناعي بوصفه فرصة للنمو والابتكار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدفء والموثوقية واللمسة الإنسانية التي يقدّرها الجمهور .. ويمكن أن يُعدّ الذكاء الصناعي، إذا استُخدم على نحو أخلاقي ومسؤول لدعم التقدير المهني والإبداع وقيم الخدمة العامة، حليفًا قيّمًا في بناء الثقة مع الجمهور».
صحيح أن الذكاء الاصطناعي قادم بقوة وبسرعة في عدة مجالات، وله ميزات في الإذاعة كالسهولة والانسيابية في إسناد المهام الروتينية، وتحقيق نمو عبر معرفة وفهم طريقة تفكير الجمهور وذلك من خلال قاعدة البيانات ضخمة، واستطاعة تكييف الإعلانات وفقا لاحتياجات المستمعين، والاستفادة منه في سرعة عمليات التحقق من الوقائع والمصادر. ولكن في المقابل كما أشارات اليونسكو «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة».. لا بد من سياسات وضمانات داخلية واضحة لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي استخداماً أخلاقيا، واحترام الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية وملكية البيانات والشفافية، واستخدام المضامين الصوتية التوليدية بحرص، والاستثمار في البشر، وإجراء عمليات تحقق قانوني وأمني من أجل إدارة المخاطر الناشئة وغيرها من المخاطر المحتملة.
حين ظهر عصر التلفاز، الكثير توقع اضمحلال زمن الإذاعة، ولكنه حتى في عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي ما زال صامدا وشامخا.
[email protected]



