وبعد مرور السنوات تغيرت تلك الصناديق الخشبية وحل محلها ضوء بارد ينبعث من تلك الشاشات الصغيرة التي نحملها، حيث تواجد الإنترنت الذي أعاد ابتكار القاعدة حاملاً معه انقلاباً هادئاً، وقد ظن الإنسان أنه تحرر، وأنه هو من يختار ما يريد، ولكن مالم يدركه أن الحكاية لم تنته، حيث لم يعد هناك صوت واحد يتحدث للجميع، بل تطور لملايين الأصوات، وأصبحت الدعاية الآن مصممة على مقاس كل فرد، بطريقة ناعمة وغير مرئية، وما كانت تفعله الإذاعة الموجهة بشكل عام ومباشر، فالخوارزمية اليوم تقدم الخيارات بشكل خاص على أنها طبيعية وبديهية، تراقبك بصمت: من يشبهك؟ ماذا تحب أن تسمع؟ وما الذي تتجاهله؟ وكم تستغرق وقتا فيه؟ وتبدأ بعدها ببناء طريق ناعم لك عبر اختيار لون الزر، وترتيب المنشور، واقتراح محسوب بدقة، ولا تشعر أنه موجّه إليك؛ لأنك لا تجبر على شيء، لكن أنت تمشي في منظومة مصممة مسبقاً لدفعك نحو سلوك محدد.
ومع الوقت يصبح الطريق مألوفا ومناسبا لك. الآراء قريبة، والأفكار تؤكد ما تؤمن به أصلا، والأشخاص متشابهون معك، تشعر ان الجميع يفكر مثلك، فيصعب الخروج من التيار حينها، والانضمام إليهم أسهل وأكثر ارتياحاً.
إن الصوت الذي كان يأتي قديما للتوجيه من زاوية الغرفة، أصبح اليوم محيطاً كاملاً، يتبدل حسب مزاجنا، ويبتسم كلما انسجمنا معه أكثر، لنكون داخل شبكة من الإيحاءات الصغيرة الناعمة التي لا تشعرنا بالضغط، بل بالراحة، وهذا دليل أننا أصبحنا محاطين بالمرآة لا بنافذة، وليست المشكلة في التقنية، بل في غياب الوعي بدورها، فمن الإذاعة الموجهة إلى خوارزمية محتوى وسائل التواصل الاجتماعي تغيّرت الأدوات ولكن الجوهر واحد: سحب الإنسان بطريقة ناعمة وبلا وعي.
[email protected]



