الاعتذار في جوهره سلوك بسيط، لكنه عند كثيرين صار معقدًا، كأنه اعتراف يُخشى تبعاته، أو أشبه بتنازل يُخاف أن يفسره الآخرون على أنه ضعف، أو كلمة تجرح الهيبة بدل أن تحفظها كما يرى البعض. والنتيجة هنا أننا نرى مشكلات صغيرة تكبر، وخلافات عابرة تتفاقم حتى تصبح قطيعة، والمؤسف ليس لأنها تستحق، بل لأن كلمة واحدة لم تُقل في وقتها.
لماذا نُجيد تبرير الخطأ أكثر من الاعتذار عنه؟!.
في بعض المجتمعات، يرتبط الاعتذار بفقدان المكانة، إذ يظن البعض أن الاعتذار يعني خسارة أو ضعف. الدراسات تشير، مع ذلك، إلى أن الاعتذار يمكن أن يعزز الثقة ويقوي العلاقات بدل أن يضعفها.
وتدعم ذلك نتائج دراسة منشورة في مجلة «Frontiers in Psychology»، حيث خلصت إلى أن الاعتذار بعد حدوث إساءة أو كسر للثقة يُسهم بشكل واضح في ترميم العلاقة وتحسين مستوى الثقة بين الطرفين، لأنه يعطي الطرف الآخر شعورًا بالاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية، وهو ما يقلل التوتر ويزيد من فرص المصالحة.
ومن المؤسف أننا أحيانًا نلتف حول الاعتذار بدل أن نقوله بوضوح. فنسمع اعتذارات مشروطة أو ناقصة: ك»إذا زعلت فأنا آسف»، أو على شكل «أنا ما قصدت»، أو «خلّها تعدي»، أو «أنت فهمتني غلط». وهذه العبارات في بادئ الأمر قد تبدو محاولة للتهدئة، لكنها في الحقيقة لا تُصلح ما انكسر، لأنها لا تعترف بالخطأ ولا تُشعر الطرف الآخر بأنه مُقدَّر بتاتا.
وفي داخل الأسرة، يظهر الأمر بشكل أوضح. قد يعتقد بعض الآباء والأمهات أن الاعتذار للأبناء يضعف هيبة التربية، وأن الأب أو الأم يجب أن يكونا دائمًا في مواضع الصواب. لكن في الحقيقة الاعتذار داخل البيت هو درس تربوي عظيم. حين يرى الطفل أو الشاب أن والده يعتذر إذا أخطأ، فإنه يتعلم معنى المسؤولية، ويتعلم أن الاحترام لا يعني السيطرة، وأن الخطأ لا يعيب الإنسان، بل الإصرار عليه هو الذي يعيبه.
أما في العلاقات الزوجية، فكم من بيت بدأ فيه الخلاف من كلمة قاسية أو تصرف متسرع، ثم طال أمده لأن الاعتذار لم يُقدَّم، أو قُدِّم بطريقة تُشبه التبرير أكثر من الاعتراف.
وحينما نأتي في بيئة العمل، تصبح المسألة أكثر حساسية. الموظف قد يخشى الاعتذار لأنه يظن أنه سيُسجل عليه تقصيرًا، سبق قرأت ذات مرة في منصة «لنكد إن» مقالة تحذر من الاعتذار في بيئة العمل، لكن في الحقيقة الاعتذار من أولى الطرق لاحتواء الأزمة، كما نتعامل في إدارة الأزمات أثناء مواجهة المؤسسة إلى أزمة، ترى أن البيان يحتوي في المقدمة على اعتذار صريح، فالاعتذار هنا يستخدم لأنه مبني على دراسات دقيقة عن مدى تأثيره، المدير في بيئة العمل قد يتردد لأنه يعتقد أن الاعتذار يُضعف صورته أمام الفريق. فتتراكم الأخطاء، ويزداد التوتر، وتُدار المواقف بمنطق الدفاع بدل الإصلاح. بينما الحقيقة هي أن الاعتذار في العمل لا يعد نقص، بل مظهر من مظاهر الاحتراف، لأنه يُغلق باب التأزيم ويفتح باب الحل.
وأخيرا مع ارتفاع مستوى الوعي والتعليم اليوم، نحن لا نحتاج إلى أن نعتذر في كل شيء، ولا أن نبالغ في الاعتذار، كل ما في الأمر هو تعلمنا كيف نعتذر «بصدق». اعتذار واضح، من دون التفاف، وبلا تحميل للطرف الآخر مسؤولية مشاعره، وبلا محاولات لتجميل الخطأ.
العلاقات غالبًا ما تبقى أقوى من الخلافات إذا امتلكنا الشجاعة لإصلاح ما أفسدناه.
[email protected]



