المختصون يعرفون السلوك الاجتماعي على أنه مجموعة من الأفعال والاستجابات التي يقوم بها الفرد في تفاعله مع الآخرين وضمن سياقات اجتماعية وثقافية، ويشمل التعاون، التواصل، والمنافسة، ويتأثر بالتربية والبيئة والثقافة، وهو يهدف للحفاظ على العلاقات وبناء الانسجام، ويمكن أن يكون إيجابياً «مساعدة الآخرين» أو يتضمن التواصل اللفظي وغير اللفظي، ولكن هذا التعريف الدقيق وإن كان ينطبق في عناصره العامة على سلوك البشر ولكن الأبعاد التي تنتج عن تفاوت نسبة تأثيره على حياة الإنسان عطفاً على المساحة التي يحتلها من طباعه وقناعاته وتصرفاته والتي تنعكس على تفاعله مع مجتمعه وقدرته على مواكبة سرعة الرتم الذي تسير به الحياة العصرية وبالتالي مساراته وخيارات في هذه الحياة.
يعتقد الكثيرون أن السلوك الاجتماعي أمر يسهل تحليله أو تصنيفه أو تعريفه، لكن الحقيقة أن البشر يختلفون في طباعهم وشخصياتهم وهذه الاختلافات أمر فطري وطبيعي، وبالمحصلة النهائية سينعكس على كثير من الأمور، منها طبيعة فهمهم للسلوك الاجتماعي وحجم المساحة التي يسمحون له بها في تصرفاتهم وقراراتهم اليومية.
فكما يوجد أشخاص اجتماعيون بطبعهم يوجد أيضا من يفضلون الهدوء والعزلة النسبية وهذا لا يقلل من قيمتهم أو قدراتهم.
هناك أسباب كثيرة تجعل بعض الناس غير اجتماعيين فبعضهم يجد راحته في المساحة الخاصة والتأمل ويستنزف التفاعل الاجتماعي طاقته النفسية بدل أن يمنحه النشاط.
وآخرون قد تكون لديهم تجارب سابقة غير مريحة جعلتهم أكثر حذرا في علاقاتهم أو مكتفون بأنفسهم.
كما أن الضغوط النفسية أو القلق الاجتماعي أو حتى طبيعة التربية والبيئة كلها عوامل تؤثر في درجة اجتماعية الفرد دون أن يكون ذلك خيارا متعمدا أو ضعفا في الشخصية.
من المهم أن ندرك أن قلة الاجتماعية لا تعني الكسل أو الغرور أو كراهية الآخرين، فكثير من الأشخاص غير الاجتماعيين ناجحون عميقو التفكير ومخلصون في علاقاتهم القليلة التي يختارونها بعناية.
هم قد يفضلون الحوار الهادئ على الضجيج والعلاقات العميقة على العلاقات الكثيرة وهذا اختيار يستحق الاحترام لا السخرية أو الضغط للتغيير.
غالبا ما يتمتع هؤلاء الأشخاص بحس داخلي عال وقدرة كبيرة على التأمل والتحليل، فهم يميلون إلى فهم الأمور بعمق بدل الاكتفاء بالمظاهر السطحية للعلاقات الاجتماعية وقد لا يملكون دائرة واسعة من المعارف لكن علاقاتهم القليلة تكون في العادة أكثر صدقا وثباتا لأنهم لا يمنحون وقتهم أو مشاعرهم بسهولة إلا لمن يشعرون بالراحة والثقة معهم.
هذا النوع من الأشخاص يقدر الصمت بقدر ما يقدر الحديث ويرى في الاستماع فنا لا يقل أهمية عن الكلام.
إن احترام اختلاف الناس في طباعهم يعكس وعينا ونضجنا كمجتمع، فبدل أن نفرض نمطا واحدا للحياة أو الشخصية علينا أن نتقبل التنوع ونمنح كل شخص المساحة ليكون على طبيعته.
عندما نحترم من ليسوا اجتماعيين فإننا نساهم في خلق بيئة أكثر تفهما ورحمة يشعر فيها الجميع بالأمان دون الحاجة للتصنع أو التبرير.
[email protected]



