كتبتُ هذه المقالة عندما شاهدتُ إحدى الأمهات تضع صورة أحد أبنائها الخمسة خلفية لجوالها. سألتها بهدوء: أين بقية الأبناء؟ ترددت، تلعثمت، ولم تُجب. اكتفت بنظرة طويلة شاردة، كأن السؤال فاجأها، أو كأن الإجابة لم تكن مريحة. في تلك اللحظة، لم يكن الصمت بريئًا، بل كان اعترافًا غير معلن بأن الأمر لم يكن مجرد صدفة.
الهاتف اليوم ليس مجرد وسيلة اتصال، بل امتداد للذات، وما يُعرض على شاشته يُقرأ كرسالة واضحة. حين يرى الأبناء صورة أخيهم أو أختهم تتكرر في يد الأم أو الأب، أمام الناس، في كل وقت، بينما لا يرون لأنفسهم أي حضور، فإن الرسالة تصل بوضوح: هناك من هو أقرب، ومن هو أهم، ومن يستحق أن يُرى.
الأطفال لا يحتاجون إلى تبريرات طويلة ليشعروا بالتمييز. هم يفهمون الإشارات الصغيرة أكثر مما نتخيل. صورة واحدة كفيلة بزرع مقارنة قاسية، وشك داخلي مؤلم، وشعور بالنقص قد يرافقهم لسنوات. ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى غيرة مكتومة، أو انسحاب عاطفي، أو جدار بارد يُبنى بصمت داخل العلاقة الأسرية.
قد يقول البعض إن النية ليست التفضيل، وإن الأمر عفوي، لكن العدل العاطفي لا يُقاس بالنية، بل بالأثر. والأسرة التي تسمح بتمييز رمزي، مهما بدا بسيطًا، تزرع شرخًا نفسيًا لا يُرى سريعًا، لكنه يتسع مع الزمن.
المسألة ليست صورة على شاشة، بل سؤال أعمق: هل نعي ما نقوله لأبنائنا دون كلمات؟ ففي النهاية، أكثر ما يحزّ في النفس ليس غياب الصورة، بل الإحساس القاسي بأن القلب قد اختار... وأن هذا الاختيار لم يكن عادلًا.
[email protected]



