أما اليوم، ومع تسارع خطى الزمن، تحولت تلك الجلسات الصباحية الهادئة إلى فضاءات رقمية صاخبة لا تنام على مدار الأربع والعشرين ساعة، متجسدة فيما يُعرف بـ«قروبات الماميز»، أي «قروبات الأمهات»، عبر مختلف تطبيقات المراسلات الفورية. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت هذه القروبات جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الأمهات. فبضغطة زر، تجد الأم نفسها وسط مئات الأمهات اللاتي يتبادلن الأسئلة والخبرات والنصائح حول كل ما يتعلق بالأطفال، من اختيار المدرسة والطبيب، إلى التغذية والنوم والملابس، وحتى التعامل مع المواقف اليومية، التي قد يكون بعضها خاصًا جدًا!
هذا التحول من الفضاء الواقعي إلى العالم الافتراضي المفتوح لم يغيّر وسيلة التواصل فحسب، بل أعاد تشكيل بعض جوانب تجربة الأمومة، وحوّل الدعم الأسري العفوي إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية متداخلة، تحتاج منا إلى بعض الوقفات والتأمل.
كانت هذه القروبات مساحة بسيطة للتعاون وتبادل الخبرات والمعلومات، لكن مع الوقت تحولت إلى مجتمع افتراضي قد يكون له تأثير واضح في بعض القرارات الأسرية المهمة. فقد تجد الأم معلومة صحيحة أو خاطئة في ثوانٍ! أو ربما تجد نفسها أمام تجربة مشابهة، فتتخذ قرارًا بعد أن كانت مترددة، ولكن قد يكون مبنيًا على أسس غير صحيحة. فعبارة «اسأل مجرّبًا ولا تسأل طبيبًا» لا تنفع هنا.
الجانب الإيجابي أن الأم الجديدة قد تواجه أسئلة ومخاوف كثيرة، وعندما تجد أمهات مررن بالتجربة نفسها، ستشعر بشيء من الطمأنينة والانتماء. لكن الوجه الآخر لهذه المجموعات لا يخلو من بعض القلق، فكثرة النصائح، واختلاف التجارب، وتداول المعلومات غير الدقيقة، قد تجعل الأم أكثر حيرة بدلًا من أن تكون أكثر اطمئنانًا. أحيانًا تبدأ الأم بسؤال بسيط، ثم تجد نفسها أمام قائمة طويلة من التعليقات والاحتمالات والمخاوف. والحل هنا هو سؤال أهل التخصص، كلٌّ في فنه.
ولذلك، عندما يتعلق الأمر بتربية الأطفال، فتجربة طفل قد لا تصلح بالضرورة لطفل آخر. لذلك علينا توخي الحذر من النصيحة الشخصية، فهي تختلف عن رأي المختص، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحة أو التربية أو المشكلات التي تحتاج إلى تقييم مهني. فالاستئناس بآراء الآخرين أمر حسن، ولكن الأخذ برأي المختص هو الحل الأمثل والأصح.
وأما الوجه الذي أعتقد أن له تأثيرًا سلبيًا جدًا على الأمهات في هذه القروبات، فهو «وهم المقارنات»، الذي يشكل ضغطًا على الأم، وبالتالي على الأسرة. فطفل قد يبدأ الكلام مبكرًا، وآخر يحقق درجات عالية، وثالث يتقن مهارة معينة، فتجد الأم نفسها تقارن طفلها بغيره. وقد تزيد هذه المقارنات مشاعر القلق أو الغيرة لدى بعض الأمهات.
ورغم ذلك، لا يمكننا إنكار الدور الإيجابي لهذه القروبات عندما تُستخدم بوعي واتزان، فهي مساحة للتجارب والمساندة وتبادل المعرفة والخبرات، وتختصر على الأم الوقت والجهد. ولكن في القضايا المؤثرة والمهمة، لا بد من استشارة ذوي الاختصاص، عملًا بالمثل القائل: «أعطِ الخبز خبّازه ولو أكل نصفه».
@abdullaghannam



