ويضع الكثير الفلاتر، بينما الواقع مخالف ولذلك يختصر الظهور المسافات، ويبدأ السقوط أيضاً بنفس السرعة، فلا يحمل الحقد من تعلو به الرتب.
لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - أول سفير في الإسلام إلى المدينة النبوية، خرج هو وأسعد بن زُرَارة - رضي الله عنه - يدعوان الناس إلى الإسلام، فجاءهم أسيد بن حُضَيْر متهجماً ولكنه عندما سمع الحق أسلم، وقال الجالسون حول مصعب: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله.
ولما رجع إلى قومه قال سعد بن معاذ: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
ثم قام سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وذهب إليهما مغضباً ولما ذهب إليهما، وقف عليهما متشتماً، فلما عرض عليه مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن، قال الجلوس: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلّله، وبعد أن أسلم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
إذن صلاح القلب يفيض على الوجه نوراً وجمالاً، ويُرى قبل أن يُقال، ويُحَسّ قبل أن يُشرح، ولذلك إذا أردنا الجمال الحقيقي، فعلينا أن نعتني بقلوبنا إصلاحاً فصلاحاً، أكثر من عنايتنا بالبشرة الخارجية بينما القلب ينوء بالحسد والأحقاد والسواد.
وأيضاً في معرفة لغة الجسد في إشراقة الوجه وتهلله بيان لأمر يحتاجه القادة وطالبوا النجاح وهو الفراسة، وهذه الفراسة التي عُرف بها القادة والمتميزون، ففي كتاب «العلامات» للحسيني أن التابعي شعبة بن الحجاج قال: «إني لأرى قفا الرجل فأعرف ما في قلبه! قيل له: فوجهه؟ قال: تلك صحيفة تقرأ».
هذه الفراسة تتضاءل في حياتنا المعاصرة مع سيطرة الأجهزة والتقنية الحديثة، ورؤية ما لا ينبغي، ولذلك أصبحت كلمة: انصدمت بفلان وفلانة تتكرر كثيراً، وحالات النصب المبنية على ضعف الإدراك تتزايد.
لأننا تعلمنا قراءة الشاشات، ولم نتعلم قراءة الوجوه، وأحسنا اختيار الفلاتر، وأهملنا فحص القلوب.
إذن أصلحوا قلوبكم.. تصلح وجوهكم، وأصلحوا نظراتكم.. تستقيم قراراتكم.
[email protected]

