هذه الخطوة، التي قد تبدو للبعض محفوفة بالمخاطر، تمثل في جوهرها انتقالاً نحو نموذج أكثر إنسانية وكفاءة، يُعيد للمريض حقه الطبيعي في الحصول على خدمة صحية.
من المؤكد أن هاجس «الهدر في التكاليف» يطرح نفسه كلما فتح باب تنقّل المريض مباشرة إلى الخدمة دون موافقات، إلا أن هذا التخوف ليس مبرراً في ظل منظومة رقابية ناضجة، ونظام إلكتروني قادر على ضبط المطالبات، وتحليل البيانات، واكتشاف أي تجاوزات بشكل لحظي. فسياسات الحوكمة الطبية اليوم لم تعد تعتمد فقط على أوراق توقّع، بل على مؤشرات جودة، وسجلات رقمية، ترصد الأنماط غير الطبيعية وتمنع التلاعب قبل حدوثه.
إلغاء الموافقات لا يعني إلغاء الرقابة، بل نقلها من مرحلة قبل الخدمة إلى مرحلة بعد الخدمة عبر نظام مطالبات ذكي. وهو انتقال طبيعي شهدته دول متقدمة نجحت في تقليل التكاليف، ورفع مستوى الرضا، وتحسين جودة الرعاية. فالتحكم الحقيقي بالتكلفة لا يكون عبر منع العلاج، بل عبر الممارسات الطبية الرشيدة، والتسعير العادل، والإشراف الفاعل، ومحاسبة من يسيء استخدام النظام من أي طرف كان.
كما أن شركات التأمين التي تبدي قلقاً من تضخم المطالبات تمتلك من الأدوات ما يكفي لضبط التكاليف دون تعطيل حقوق المستفيدين، بدءاً من إدارة الحالات المزمنة، مروراً ببرامج الوقاية، وانتهاءً بالتحول الرقمي الذي يراقب كل خطوة في رحلة العلاج. هذه الآليات أكثر فاعلية بكثير من «موافقة مسبقة» قد تؤخّر العلاج ولا تمنع الهدر.
وما تحتاجه المنظومة اليوم ليس مزيداً من الأوراق، بل مزيداً من الثقة في الأتمتة، والسرعة، والمسؤولية المهنية. فالمستفيد لم يكن يوماً طرفاً في مشكلة الموافقات، لكنه كان دائماً الضحية، وإخراجه من هذه الحلقة هو بداية تصحيح طويل الأمد لعلاقة المريض بالخدمة الصحية، ومؤشر على أن صحة الإنسان تقدَّم اليوم كأولوية لا كإجراء إداري.
خلاصة القول: خطوة إلغاء الموافقات ليست مجرد سياسة تأمينية، بل رؤية تجعل المريض في قلب القرار.
[email protected]


