يفترض لمن يتخذ القرار في المؤسسات أن يبني ذلك القرار على دراسة متكاملة، فاتخاذ القرارات ليس عملاً انفعالياً بل عملية منهجية تبدأ بتشخيص المشكلة بدقة، تليها مرحلة جمع المعلومات وتحليل البدائل، ثم اختيار الحل الأنسب وتنفيذه، وانتهاءً بتقييم النتائج.. كما أن هذا الإجراء يستدعي موضوعية، ودراسة شاملة للخيارات، واستخداماً فعالاً للمعلومات وذلك لتحقيق المصلحة العامة للمؤسسة.
ولكن تلك الكلمات، التي كُتبت بلا تقدير لعواقبها، لم تبقَ في الهامش، بل تحوّلت مع الوقت إلى توصيف رسمي، ثم إلى إدانة، ثم إلى فصل بموجب نصّ نظامي صُبغ بقراءة قاسية، وهكذا، انتهى مصدر رزقٍ يعتمد عليه إنسان بعد الله، لا لأن خطأه كان جسيمًا، بل لأن القرار لم يُدار بعقل قيادة، بل بردّة فعل.
في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أعظم قائد عرفته البشرية، تجلّت القيادة لا بوصفها فرض هيبة، بل باعتبارها تحمّلًا للمسؤولية الأخلاقية، حين أساء الأعرابي في خطابه وجذب رداءه بعنف، لم يُسجّل ذلك كسلوك عدائي، بل قوبل بابتسامة وعطاء، وحين أخطأ بعض أصحابه في التقدير، كان التصحيح حاضرًا، لكن دون سحق أو تشهير أو إسقاط كامل، لم يكن الخطأ -في ذلك المنهج - بوابة للإقصاء، بل مدخلًا للتقويم، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين قيادة تُنضج الإنسان، وسلطة تُقصيه
الأصل في إدارات الموارد البشرية أن تكون صمّام عدالة، توازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق الأفراد، وتحمي القرار من الانفعال، وتحمي الإنسان من التعسّف، لكن الخلل يبدأ حين تتحوّل اللوائح إلى أدوات تصفية، ويُقرأ النص بمعزل عن السياق، ويُختزل الموظف في سطر واحد من تقرير، فالمادة النظامية - أيًّا كانت- وُجدت لضبط السلوك الجسيم، لا لمعاقبة سوء الفهم، ولا لتصفية آثار خلاف إداري، ولا لتكريس منطق «الأقوى توقيعًا».
القرارات المتسرّعة قد تُنهي ملفًا، لكنها تفتح ثقافة صامتة، يتراجع فيها الإبداع، ويغيب فيها الحوار، ويحلّ الخوف محلّ المسؤولية، فالمؤسسات لا تنهض بموظفين يخشون الخطأ، بل بقادة يحسنون إدارته.
في الختام: السلطة ليست اختبار قوة، بل امتحان ضمير. وليست قدرة على الفصل، بل مسؤولية في الإنصاف، ومن يُسيء استخدام الصلاحية قد يربح قرارًا لحظيًا، لكنه يخسر الثقة، ويضعف المؤسسة، ويترك خلفه أثرًا لا تمحوه محاضر الاجتماعات.
ويبقى السؤال المشروع، الذي يجب أن يُطرح في كل مؤسسة: هل نُدير أنظمتنا بعقل القيادة.. أم بعجلة النفوذ؟
[email protected]



