والأصل في ذلك أنه سعيٌ مشروع، بل عبادةٌ إذا اقترن بالصدق والأمانة. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التجارة ذاتها وإنما في المنزلق الذي قد يجرّ إليها حين يتدخل الشيطان من الباب الثاني، فيغوي النفوس بحلم الربح السريع، ويزين لها الدنيا مهما كان الثمن.
نرى اليوم مظاهر متعددة للتلاعب في المكايل والموازين والغش في السلع، والكذب في الوصف، والافتراء في الجودة، وكأن الضمير قد أُقصي جانبًا لصالح تضخيم الأرباح وتكديس الأموال وانقاص الناس من حقوقهم شيأ بالتطفيف والغش والخداع .
ينسى بعض التجار أن المال الذي يُبنى على الغش لا بركة فيه، وأن ما يربحونه اليوم قد يكون سببًا في خسارتهم غدًا، في الدنيا قبل الآخرة.
لقد جاء الإسلام بمنهج واضح وصريح في ضبط المعاملات المالية، فجعل العدل أساسها، والصدق روحها، والأمانة ركنها المتين. ولم يكن النهي عن بخس الناس أشياءهم مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل تحذيرًا شديدًا من فسادٍ يمتد أثره إلى المجتمع كله. فحين يُظلم المشتري، وتُغش السلعة، ويُهدر الحق، يختل ميزان الثقة، وتفسد الأسواق، وتضيع القيم، ويعم الشعور بالظلم والريبة بين الناس.
إن التاجر الصادق لا يقيس نجاحه بحجم ما يجمعه من مال فحسب، بل بما يتركه من أثرٍ طيب وسمعة حسنة، وبما يناله من رضا الله قبل رضا الخلق. فالرزق المقسوم لا يزيده الغش، ولا ينقصه الصدق، وإنما البركة هي الفارق الحقيقي بين مالٍ يزول سريعًا ومالٍ يبقى أثره ونفعه.
وفي ختام هذا الحديث، تبقى كلمة الله تعالى ميزانًا عدلًا وحكمًا فاصلًا في كل زمان ومكان، تذكيرًا وتحذيرًا ودعوةً للإصلاح قال تعالى :
«وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»سورة هود، -الآية 85-
[email protected]



