لسنا كتلةً واحدة، ولا نسير في صفٍّ مستقيم كما نحب أن نُقنع أنفسنا. في داخل كل جماعة، بل في داخل كل نفس، تنوّعٌ خفيّ ومسارات متباينة.
هكذا يقرّر النصّ الحقيقة دون مواربة، فينا الصالح، وفينا دون ذلك، وكنا ولا نزال طرائق قِدَدًا. الاعتراف بهذا التنوّع ليس ضعفًا، بل بداية الوعي. المشكلة لا تبدأ من الاختلاف، بل من إنكاره. حين نزعم الطهارة الجماعية، نفتح الباب لأخطر أنواع الزيف؛ زيف الادّعاء.
فالصلاح حين يتحول إلى لافتة عامة يفقد معناه، وحين يُوزّع بلا ميزان يُفرغ من قيمته. الصالح يُعرف بالفعل لا بالانتماء، وبالأثر لا بالشعار، وبالصدق حين يغيب الرقيب لا حين يحضر. أن تقول “منا الصالحون”، فهذا تواضع معرفي يضع الصلاح في موضعه الطبيعي،، اجتهادٌ يُصان، لا لقبٌ يُمنح. وأن تقول “ومنا دون ذلك”، فهذا شجاعة أخلاقية تعترف بالقصور، وتفتح باب الإصلاح بدل أن تُغلقه بالتبرير.
أمّا “طرائق قِدَدًا”، فهي الخلاصة التي تفضح وهم النسخة الواحدة، وتعيد لكل طريق مسؤوليته. نحن لا نُحاسَب لأننا مختلفون، بل لأننا نختار. الطريق ليس ميراثًا، ولا قدَرًا مكتوبًا بلا إرادة، بل قرارٌ يتجدد كل يوم. قد تبدأ على الهامش، وقد تتعثر في المنتصف، وقد تتلوّن تحت ضغط المصالح؛ لكن لحظة الصدق الوحيدة هي حين تسأل نفسك أيُّ طريق أسلك الآن؟ ومن أنا حين لا يراني أحد؟ أخطر ما يفسد المعنى أن يتحول الدين إلى مظلة تبرّر، أو أن تتحول الأخلاق إلى ديكور اجتماعي. عندها يصبح “دون ذلك” حالة مقبولة، ويغدو الصلاح استثناءً يُستغرب.
لكن النصّ لا يمنح امتيازًا لأحد؛ يضع الجميع أمام مرآة الاختيار. من شاء أن يكون صالحًا، فالصلاح طريقٌ له كلفة. ومن رضي بالدون، فالدون طريقٌ له عواقب. ليست القضية أن نُعلن اصطفافناً، بل أن نُثبت اتجاهنا. ليست القضية أن نُدين غيرنا، بل أن نُراجع أنفسنا. فالصلاح لا يحتاج ضجيجًا، والخطأ لا يُصلَح بالفضح. الذي يُصلح هو ميزانٌ واضح، ومعيارٌ ثابت، وشجاعة يومية في تصحيح المسار. حين نفهم أننا طرائق قِدَدًا، نتوقف عن طلب العصمة لأنفسنا، ونبدأ بطلب الاستقامة.
نتواضع بلا تهاون، ونشتد بلا قسوة. نُبقي الباب مفتوحًا للعودة، والميزان قائمًا للمحاسبة. عندها فقط، يستقيم القول مع الفعل، ويستعيد الصلاح معناه الحقيقي.
لسنا سواء،، لكن الطريق واحد لمن أراد.



