لم يكن ثورو يتحدث عن مرض، بل عن حالة ذهنية وأخلاقية، عن عقل يتوقف عن السؤال، ويستسلم للمكرر، ويستبدل الفهم بالاستهلاك، ومع تقدم القرن العشرين، عاد المفهوم بأسماء متعددة في أدبيات النقد الثقافي، خاصة مع صعود الإعلام الجماهيري، حيث بدأت التحذيرات من أثر الرسائل المبسطة والمعلّبة على قدرة الإنسان على التركيز والتحليل، فظهر الحديث عن «تسطيح الوعي» و«تآكل الانتباه»، بينما ظل «التعفّن الدماغي» تعبيرًا أكثر قسوة وصدقًا في آن واحد، لأنه لا يوحي بالتراجع فقط، بل بالتحلل البطيء والصامت.
إلا أن التحول الحقيقي في مسار المصطلح جاء مع العصر الرقمي، حين لم يعد الأمر متعلقًا بوسيلة واحدة، بل بنظام كامل من الخوارزميات والمنصات التي تُغرق المستخدم في سيل متواصل من المحتوى القصير، السريع، والمثير، حيث يُكافأ الانفعال أكثر من الفهم، والسطحية أكثر من العمق. في هذا السياق، لم يعد «التعفّن الدماغي» مجرد استعارة أدبية، بل توصيفًا شائعًا لحالة ذهنية جماعية تتراجع فيها القدرة على التركيز طويل المدى، ويضعف الحس النقدي، ويصبح العقل ممتلئًا بالضجيج لكنه فقير في المعنى.
هذا الانتشار الواسع دفع بالمصطلح من هامش الثقافة إلى قلبها، حتى التقطته المؤسسات اللغوية نفسها، ففي عام 2024 اختارت دار نشر جامعة أكسفورد تعبير - Brain Rot - «كلمة العام»، بوصفه المصطلح الأقدر على تلخيص روح اللحظة الثقافية، وعرّفته بأنه تدهور ملحوظ أو متصوَّر في الحالة الذهنية نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى يُنظر إليه على أنه تافه أو غير محفز فكريًا، خصوصًا المحتوى الرقمي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد الرمزي، إذ أُدرج المصطلح لاحقًا في القاموس الإنجليزي لأكسفورد ضمن تحديثاته الرسمية، في إشارة واضحة إلى أنه لم يعد مجرد تعبير عابر أو مزحة لغوية، بل مفهوم راسخ يعكس ظاهرة اجتماعية معاصرة.
الأمثلة على «التعفّن الدماغي» باتت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية : شخص يقضي ساعات يتنقل بلا وعي بين مقاطع قصيرة، تتبدل فيها المشاعر بسرعة، من ضحك إلى غضب إلى تعاطف لحظي، دون أن يترسخ أي معنى حقيقي، نقاشات عامة تُختزل في صور ساخرة وشعارات مستهلكة بدل الأفكار المركبة، جمهور يرفض قراءة مقال طويل لكنه ينخرط بحماسة في جدل محتدم حول عنوان مضلل، حتى اللغة نفسها لم تسلم، فصارت أكثر اختصارًا، وأقل دقة، وأسرع في إطلاق الأحكام من بناء الفهم، ومع ذلك، لا يُستخدم المصطلح دائمًا بوصفه حكمًا نهائيًا أو نبوءة تشاؤمية، بل كجرس إنذار ثقافي، يذكّر بأن الدماغ، مثل أي عضو آخر، يتأثر بنمط التغذية التي نقدمها له، فكما يؤدي الطعام الفاسد إلى إنهاك الجسد، يؤدي المحتوى الرديء والمتكرر إلى إنهاك العقل، لا عبر تدميره المباشر، بل عبر إضعاف قدرته على التفكير العميق، والصبر المعرفي، والتعاطف، وفهم التعقيد.
خطورة «التعفّن الدماغي» تكمن بوصفه استعارة قاسية لكنها دقيقة: فهو لا يحدث فجأة، ولا يُحدث ضجيجًا، بل يتسلل بهدوء، حتى نكتشف أننا نعرف الكثير من الأشياء الصغيرة، لكننا نعجز عن فهم الأشياء الكبيرة.
[email protected]



