لكن أثناء القراءة، لم أستحضر نظرية فقط، بل استحضرت موقفًا حيًّا رأيته بأم عيني: موظف أخصائي مبدع، متقن، منضبط، ينجز عمله بكفاءة عالية.. ثم رُقّي إلى منصب إداري، فإذا به يتحول - دون مبالغة - إلى «صفر في الشمال»: مثقل، مرتبك، محاصر بمهام لا تتسع لها أدواته ولا خبرته ولا حتى نفسه.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي الذي يتجاوز السخرية النظرية إلى المسؤولية العملية: هل الترقية مكافأة.. أم مسؤولية؟
تقوم كثير من أنظمة الترقية على افتراض بسيط لكنه خطير:
من كان ناجحًا في موقعه الحالي سيكون ناجحًا في الموقع الأعلى، وهذا الافتراض يتجاهل حقيقة جوهرية:
أن الإدارة ليست درجة أعلى من التشغيل، بل هي مجال مختلف بالكامل ، حيث أن التشغيل يقوم على: المهارة الفنية، الإنجاز الفردي، الإتقان التنفيذي، بينما تقوم الإدارة على: اتخاذ القرار، إدارة البشر لا المهام، التواصل، التوجيه، التحفيز، معالجة النزاعات، الرؤية والتخطيط والتوازن بين الضغط والقدرة.
الترقية دون تأهيل: مكافأة تتحول إلى عبء.. حين نرقّي موظفًا دون أن نهيئه معرفيًا ونفسيًا ومهاريًا، فإننا في الحقيقة: نضعه في موقع يفشل فيه بعد أن كان ناجحًا، نحمّله ما يفوق طاقته ثم نلومه على العجز، نكسر ثقته بنفسه ونشوّه صورته أمام فريقه، ونخسر في الوقت نفسه موظفًا ممتازًا وقائدًا ضعيفًا، فنخسر مرتين.
وهنا تتقاطع أفكار المقال مع الواقع: مبدأ بيتر يفسر كيف نصعد بالكفء إلى حيث يتوقف عطاؤه، ومبدأ ديلبرت يفسر كيف نصعد بغير الكفء لإبعاده عن الضرر، لكننا نضيف - عمليًا - مأساة ثالثة: نُعاقب المتميز بالترقية غير المدروسة.
الترقية الرشيدة: من قرار إداري إلى مشروع تطوير.. الترقية الصحيحة ليست قرارًا، بل مسارًا: اكتشاف الاستعداد القيادي لا الاكتفاء بالتميز الفني، تهيئة مسبقة عبر: برامج إعداد قيادي، تدريب على إدارة الفرق واتخاذ القرار، فهم الدور الجديد قبل شغله ، مرحلة انتقالية يجرّب فيها الموظف بعض مهام القيادة دون فقد موقعه الأساسي، دعم ومرافقة بعد الترقية لا اختبار إسقاط، بهذا فقط تتحول الترقية من قفزة في المجهول إلى نمو واعٍ.
في الختام:
ليست المشكلة أن لدينا موظفين ضعفاء، بل أن لدينا أنظمة ترقية ساذجة، وليست الأزمة في نقص الكفاءات، بل في سوء توظيفها، فالقيادة ليست ترقية.. بل تحوّل، ومن لم نُعدّه لهذا التحوّل، نكون قد ظلمناه وظلمنا المؤسسة معه.
المدير ليس أفضل الموظفين، بل هو أكثرهم استعدادًا لأن يكون مسؤولًا عن غيره لا عن نفسه فقط، وهنا يكمن الفرق كله.
[email protected]



