يظهر الحارس الأخير عادةً بهدوء، لا يطرق الأبواب ولا يرفع صوته، بل يقف عندها طويلاً، ممسكاً بالمفاتيح وكأنه وُلد معها، ويعتقد أو بالأصح يُقنع نفسه، أن المكان لا يقف إلا عليه، وأن النظام هشّ لدرجة أن غيابه ليوم واحد كفيل بإرباكه، وأن الآخرين، مهما حاولوا، لا يعرفون كيف يُدار العمل بالطريقة الصحيحة.
الحارس الأخير لا يرى نفسه متسلطاً، بل حريصاً! لا يمنع، بل ينظّم، لا يعقّد، بل يحمي، وهكذا يبرر كل تأخير، وكل تعطيل، وكل قرار لا يمر إلا عبره؛ ومع الوقت، تتحول النية إن كانت صادقة يوماً إلى قيد، ويتحول الحرص إلى احتكار ناعم لا يُلاحظ إلا بعد فوات الأوان.
المفارقة أن هذا الحارس لا يحمي المكان كما يظن، بل يضعه في أخطر نقطة ضعف؛ وهي الاعتماد على شخص واحد، فالعمل المؤسسي لا يُقاس بمدى سيطرة فرد، بل بقدرة المنظومة على الاستمرار بدونه! وكلما ازداد شعور شخص بأن لا بديل له، دلّ ذلك على خلل أعمق في البناء، لا على قوته.
الحارس الأخير غالباً لا يخاف على المكان بقدر ما يخاف من فقدان قيمته فيه، يخشى أن يُكتشف أن خبرته قابلة للنقل، وأن معرفته ليست سراً مقدساً، وأن الآخرين قادرون على الأداء والتطوير، لذلك يُمسك بالخيوط كلها، لا ليُحكم النسيج، بل ليضمن ألا يُنسج بدونه.
القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المفاتيح التي تحملها، بل بعدد الأبواب التي تستطيع تركها مفتوحة بثقة؛ والقوة ليست في أن تكون حاضراً دائماً، بل في أن تطمئن أن الأمور تسير حتى في غيابك بسلاسة، فالمكان الذي ينهار بخروج شخص، لم يكن قوياً في الأصل، مهما بدا متماسكاً.
أوهام الحارس الأخير قد تمنحه شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنها في النهاية تتركه وحيداً، يحرس شيئاً أضعفه بنفسه، ظنًا منه أنه يحميه، والأكثر صدقاً بأنه غارق بالوهم!.
[email protected]



