المشهد في مثل هذه الحالة يكون دراماتيكياً للغاية، وكنت ترى فيه أن الأب منهمك بالكامل في معرفة سبب العطل، بينما يقف الأبناء بشغف ولهفة التلاميذ، وفي أيديهم مفكات وأدوات إصلاح متنوعة قد يحتاجها الأب فجأة، وقد ترى الأم وهي تمسك منشفة أو قطعة قماش لتجفيف عرق الأب الذي تعلو تقاسيم وجهه حالة من الجاهزية للإلقاء بتهمة التسبب في العطل على أحد أبنائه، حتى وإن كان مظلومًا!
وبما أن الأب في تلك المرحلة كان ينبري بشجاعة لمهمة الإنقاذ، كانت عيون الأبناء تراقب بتركيز، وكانوا يتعلمون بشكل مباشر كيف يمارسون الصيانة المنزلية، وتنتقل الخصلة والممارسة من جيل إلى جيل، فتوفّر الأسرة على نفسها عناء البحث عن فنّي، وتوفّر مالها، وتحد من الكركبة المرتبطة بدخول الغرباء للتنبيش في سكينة ووقار البيت من الداخل.
اليوم، اختفت هذه الطقوس، وما عدنا نعرف أين توارى الأب الشجاع الذي كان قادرا على إصلاح كل شئ في المنزل، وأصبحت الأسرة تنفق عشرات الألوف من الريالات على أبسط أعمال الصيانة المنزلية المتكررة؛ والموضوع الآن لا يتجاوز اتصالاً هاتفيا بهذا الفني الآسيوي أو ذاك، ولا يتعدى جهدا يتلخّص في النقر على أحد أيقونات التطبيقات الذكية لطلب خدمة الصيانة في موعد محدد، وبتسعيرات تتفاوت من المعقول إلى كل فضاءات اللامعقول.
وللأمانة يحزنني أن الأب الذي يلعب دور بطل الصيانة المنزلية قد اختفى -تقريباً- إلى غير رجعة، فالفكرة تتلخص في خسارتنا للنموذج الذهبي الذي يمارس عملاً تربويا متكاملاً من خلال محاولة إصلاح فيش كهرباء أو إيقاف تقطير صنبور أكل عليه الدهر وشرب، وهذا العمل التربوي المتكامل ظاهرٌ وأصيل ابتداء من إعلان حالة الطوارئ، وترسيخ أهمية الجاهزية، والاعتماد على النفس، مروراً بمنح الثقة لهذا الابن أو تلك البنت، وحتى تعريضهم إلى تجربة تحمّل المسؤولية؛ وكل هذه مفاهيم تربوية منزلية في المقام الأول، قبل أن تكون سياسات وإجراءات على الورق.. في بيئة عمل لا تعرف كيف تنهض بأهم مهارات الإنسان.
[email protected]



