منجّمون يتصدّرون شاشات الإعلام، عناوين براقة، ونبوءات تُقدَّم بثوب الجرأة والمعرفة، بينما حقيقتها لا تتجاوز الظنّ والتخمين. يتحدثون عن حروبٍ قادمة، وأزماتٍ مرتقبة، وازدهارٍ مفاجئ، وسقوط دول، ونجاح أشخاص.. ثم تمضي الأعوام، فيُنسى الناس ما أخطأوا فيه، ويُضخَّم الإعلام ما وافق المصادفة.
الإنسان، بطبعه، يحب الاطمئنان إلى الغد، ويبحث عمّا يخفّف قلقه من المجهول؛ ومن هذا الباب دخل المنجّمون والكهنة والعرافين: خاطبوا الفضول، واستثمروا الخوف، وباعوا الوهم لمن لم يملأ قلبه يقينٌ بأن الغيب ملك لله وحده.
وخطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدّ التسلية، بل تتعدّاها إلى تشويش العقيدة، وإضعاف التوكّل، وربط الأحداث بإشارات وكواكب لا تملك نفعًا ولا ضرًّا. بينما الحقيقة الثابتة أن المستقبل لا يُقرأ.. بل يُعاش بالأخذ بالأسباب، ويُسلَّم أمره لله -عز وجل-. فمن أراد طمأنينة الغد، فليبحث عنها في الإيمان الحق والعمل الصالح، لا في أبراجٍ تُكتب كل عام.. ثم تُكذّبها الأيام.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - محذرًا من خطورة الكهنة والعرافين:
«مَن أتى كاهنًا أو عرّافًا فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلة». وفي حديث آخر: «مَن أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزِل على محمد - صلى الله عليه وسلم -. ولا فرق بين إتيانه شخصيًا، أو التواصل معه، أو تصديق قوله عبر أي وسيلة.
لقد جعل الله من صفات المؤمنين المتقين الإيمان بالغيب، قال تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب»، فالغيب بيد الله لا يعرفه أحد إلا ما أطلع عليه الله رسله، أما المنجّمون وأتباعهم فلا يؤمنون بالغيب، بل يدّعون علمه، ويخترعون غيبًا من ظنونهم؛ فهو غيبٌ مزعوم، لا وحي فيه ولا يقين.
على الإنسان الواعي أن يدرك جيدا أن الآلة الإعلامية تجيد قلب الحقائق وتغيّر المسميات؛ فالخمر تُسمّى «مشروبًا روحيًا»، والتعري يُوصف «تحرّرًا»، وعلى هذا المنوال يُسمَّى المنجّمون الذين تصدّرهم القنوات بـ «الفلكيين»، هو من تلبيس لتمرير الباطل في ثوب العلم، واستحسان المحرّم تحت لافتة الحداثة.
قفلة:
قال أبو البندري «غفر الله له»:
هذرُ المنجّمين افتراءٌ على الغيب؛ لا يكشف مستقبلًا، ولا يبني قرارًا، ولا يزيد الناس إلا وهنًا.. والنجاح لا يُطلب من الأبراج بل من ربّ الأرباب وببذل الأسباب.
ولكم تحياتي..
[email protected]
المنجّمون الذين تصدّرهم القنوات بـ «الفلكيين»، هو من تلبيس لتمرير الباطل في ثوب العلم



