وعلى هذا الأساس، لا يبدو التحكم في المشاعر دعوةً إلى كبتها أو إنكارها، بل محاولة واعية لإعادة ضبط موقعها في عملية اتخاذ القرار. هذا الفهم تؤكده دراسات علم الأعصاب الحديثة، إذ تشير بحوث منشورة في مجلة علم الأعصاب الطبيعي إلى أن المشاعر تُعالَج في الدماغ قبل التفكير المنطقي بأجزاء من الثانية. غير أن هذه الأسبقية البيولوجية لا تعني حتمية السلوك، بل تكشف أن الوعي هو الفاصل الحقيقي بين رد الفعل الغريزي والتصرف الرشيد.
ومن هنا تتضح فكرة محورية يلمّح إليها الكاتب بوضوح: وهي أن الإنسان لا يحتاج إلى مشاعر أقل، بل إلى وعي أعمق بها. ففي دراسة أجرتها جامعة ييل عام 2020، أظهرت أن الأفراد القادرين على وصف مشاعرهم بدقة، فيما يُعرف بالتمييز العاطفي، تقل لديهم القرارات الاندفاعية بنسبة تقارب 30%. وفي المقابل، يتحول الانفعال غير المنضبط إلى عبء على العقل لا إلى مصدر إلهام، فقد أشار تقرير صادر عن مجلة هارفارد لإدارة الأعمال، أن القرارات المتخذة تحت ضغط التوتر العاطفي تنخفض جودتها بما يصل إلى 40%، لا سيما في البيئات القيادية. عند هذه النقطة يلتقي البحث العلمي مع جوهر أطروحة الكتاب: حين تتضخم المشاعر، فإنها تُقصي التفكير بعيد المدى، وتغري العقل بالحلول السريعة لا الصائبة.
ورغم ذلك، لا يدعو الكتاب في عمقه إلى محاربة المشاعر أو تجفيفها، بل إلى الفصل بين الإحساس والحكم. هذا الفصل تدعمه بحوث العلاج المعرفي السلوكي، حيث تشير مراجعة علمية نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس، إلى أن تدريب الأفراد على ملاحظة مشاعرهم دون الاندماج معها، يقلل من القلق المزمن بنسبة تقارب 45%، فالمشاعر حين تُراقَب، تفقد قدرتها على السيطرة.
القوة النفسية لا تُقاس بقدرتنا على إسكات مشاعرنا، بل بقدرتنا على فهمها دون أن نُسلمها القيادة؛ فالمشاعر إشارات ذكية، لا أوامر ملزمة، ومن يحسن قراءتها يمتلك بوصلة القرار لا عبئه.
[email protected]



