إن المشاعر عكس كل ما سمعناه من الأغاني والأمثال والفكر الذي تربينا عليه، والتي ترسخ فكرة أن الحب لا يموت والمشاعر لا تنتهي، لكن الحقيقة أنها ككل خلق الله، تنتهي وتختفي أو تتغير لتتخذ شكل آخر، فالتعود على الأشياء والمشاعر قادر أن يخفي رونقها، ويقضي على الشغف بها، ويطفئ بريقها، فتغدو عادية، وكل ما استمتنا للحصول عليه غالبا ما نهمله حين نملكه، ففرحة الشاب بسيارته الجديدة لا تضاهيها فرحته بشراء سيارة ثانية وثالثة، فيما بعد مع أنهما قد تكونان أكثر تطورا ورفاهية، فللفرحة الأولى بريق يخطف القلب.
حتى الجمال، والذي أرى أنه كل ما يدهش العقل ويشغل القلب وتلهف له الروح، حين نعتاده يغدو شفافا وكأننا لا نراه، والكلمات التي تسحرنا وقد تسكر أرواحنا، تفقد أثرها مع التكرار وكأننا لا نسمعها.ولذلك، نسمع كل يوم عن قصص آلام وأوجاع الجميلات اللواتي يتعرضن للخيانة، أما الحب والعشق الذي نستميت عليه في البدايات، حين نشغف حبا، يتحول مع طول المدة إلى شيء عادي مألوف ومضمون البقاء، وتحت وطأة مسؤوليات الحياة ومشاكلها، قد يتحول إلى عبء أو واجب أو شيء مهمل لوجوده بين أيدينا فلا نبذل أي مجهود للحفاظ عليه وحمايته من قسوة اعتيادنا وبرودة امتلاكنا له، فيضيع غالبا أو يتسرب من بين أيدينا كقطرات الماء التي نحاول حبسها بين أصابعنا، وقد يكون هذا أحد أسباب انتشار الطلاق بعد الزواج المبني على قصص حب عاصفة ومبهرة.
في النهاية علنا نعي أن الخطر لا يكمن في الاعتياد ذاته، بل في استسلامنا له دون مقاومة، فيتحول الاعتياد من أداة للاستمرار إلى مقبرة صامتة، تدفن فيها المشاعر واحدة تلو الأخرى بلا ضجيج، ومما قد يفوتنا أن أكثر العلاقات فتورا، وأكثر الأرواح إنهاكا لم تنهار بسبب الألم، بل بسبب غياب الإحساس، وإنقاذ المشاعر لا يكون بالهروب من الروتين، بل بإعادة الوعي إليه، بكسر الروتين الأعمى، وبإجبار القلب على التذكر قبل أن يعتاد النسيان، فالحياة لا تفقد معناها حين تتألم، بل حين نتوقف عن الشعور بها.
[email protected]



