ومن حسن الصدف أن يجرى اللقاء في مبنى «اليوم» بالدمام، الصحيفة «المتطوعة»، طوال تاريخها، إذ بذلت عطاءً ثرياً من جهود مسؤوليها وأنفاس محرريها، في خدمة المعرفة والوعي الاجتماعي في المنطقة الشرقية وفي المملكة، ومنها دعم فكرة التطوع وتسليط الضوء على الأيادي البيضاء. بل أن فكرة الجمعية قد نشأت على صفحات هذه الصحيفة المبدعة، إذ كان المؤسس الراحل زميلنا نجيب الزامل - رحمه الله -، أحد كتاب الصحيفة، وبذر كثيراً من أفكار البدايات في صفحات «اليوم». وبذلك فإن العلاقة بين «اليوم» وفكرة التطوع بالمفهوم الراهن، علاقة بنيوية وأمشاج وتغذية لحيوية الفكرة وترسيخها.
وفي رأيي أصبح تحويل التطوع إلى برامج عمل، ضرورة بعد أن «تمددنا» وشبت القرى المتعاونة المتكاتفة المتكافلة، لتصبح مدناً ذات ضجيج هادر. وكلما تمددت المدن، تتورم، وتتحول إلى أحزمة وسياجات ومعازل غرباء، فتتضخم الأنا والفردية. ويصبح التطوع ضرورة ولقاحاً حيوياً لمقاومة الأنا والمعازل.
التطوع واحد من العناصر التي تتوج الإنسان كائناً اجتماعياً منذ بدء الخليقة، فلا يمكن تصور وجود مجموعة بشرية بلا أي أعمال خيرية، وبلا أي «فزعة» للمساعدة وخدمة وثواب عظيم. حتى أصبحت إغاثة الملهوف، جزء من ثقافة الوجود الإنساني.
وقال فتى منفوحة الشاعر الجاهلي الأعشى «قبره في حي منفوحة في الرياض»، هجاء مقذعاً في الذين قصروا عن إغاثة جاراتهم الجائعات في ليل شتاء قارص ملبد بالغيوم.
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يراقبن من جوع خلال مخافة
نجوم السماء العاتمات الغوامصا
التطوع كان، ولا يزال، من مناقب القرى والأطراف العذراء، لكن تمدد المدن وكثافة السكان تطلب برامج عمل داعمة لتحويل التطوع إلى عمل مؤسسي منهجي قابل للقياس وأداء التأثير.
ومما تحدثت به الدكتورة العصيمي، واضح أن الجمعية تبذل جهداً لتطوير فكرة التطوع وتحويلها إلى برامج عمل تعانق الكفاءة الإدارية للحكومة، ورؤية 2030 المبدعة المباركة التي جعلت المملكة تنافس على الصفوف المتقدمة وأنموذجاً لقيادة الدول الناجحة.
وتر:في ضجيج المدن..
والشوارع اللاهثة..
يقف الباسلون.. يضيئون أمشاجهم سياجاً..
ويصدون الرياح..
[email protected]



