بالطبع وكما يعرف الغالبية أن القضايا اليوم لم تعد تُصنع على الطريقة السابقة «التقليدية» داخل غرف التحرير كما اعتاد زملائنا الصحفيين في السابق، حيث كانت تُقاس بميزان الأهمية والأثر. باتت الأجندة رهينة خوارزميات لا تميز بين ما يستحق النقاش فعلا وما يحقق انتشارًا سريعًا «وفق دراسة حديثة، حوالي 68% من مستهلكي الأخبار في المنطقة الإقليمية وشمال أفريقيا يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار». الفرق واضح هنا بين قيمة القضية، وبريق «الترند» الذي صار البعض يتغذى عليه وكأنه فيتامين مهم!
وفي هذا المشهد المقلوب، قد تتصدر قضية هامشية الحديث العام لمجرد قابليتها للتداول، بينما تُهمَّش مبادرات نوعية وأحداث كبيرة لأنها لم تجد من يلتقطها أو ينقلها من الميدان. ومع الوقت، يصبح الغياب الإعلامي جزءًا من المشكلة، لا مجرد نتيجة لها «وفي السعودية، بلغت نسبة الاعتماد على الإعلام المحلي نحو 71% من الجمهور السعودي كمصدر للمعلومات، ما يعكس ثقة الجمهور بالقنوات المحلية رغم نقص التغطية الميدانية».
على الرغم من الحراك المتنامي الذي تشهده في مختلف المجالات، خصوصًا المؤتمرات الطبية والفعاليات الثقافية والفنية، إلا أن الحضور الإعلامي الميداني لا يزال محدودًا، ولا يعكس حجم ما يحدث على أرض الواقع.أتذكر، وبكثير من الدهشة، مؤتمرًا طبيًا دوليًا أُقيم مؤخراً -وهو الأول من نوعه -، كيف أن القاعات كانت تضج بالخبراء والعلم، بينما خلت الممرات من عدسات الإعلام وأقلام الصحفيين، باستثناء حضور خجول جدًا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وتكرر المشهد في مؤتمر طبي آخر؛ إنجازات كبيرة وتطورات في المشهد الطبي السعودي، وصمتٌ إعلامي يطبق على الخارج!
والأمر لم يقتصر على العلم فحسب، بل المشهد يتكرر حتى في المجال الفني. على سبيل المثال مهرجان ثقافي ومسرحي انطلق مؤخرًا واستمر أسبوعًا كاملا وكان يمثل نقلةً في مسرحنا السعودي، لم نجد اقبالاً إعلامياً واسعاً، أين غاب الآخرون؟
غياب المراسل الميداني في هذه النقطة لا يعني فقط غياب الخبر، بل غياب التوثيق والسياق، قد يقول البعض أن اللجنة المنظمة تستطيع التوثيق هنا من دون الحاجة إلى أي مراسل، أستكمل الحديث وأقول أن غياب المراسل يصل إلى تهميش العديد من الحراك المهم. فالمراسل كما نعرف هو شاهد للحدث، وبدونه تتحول الفعاليات إلى وقائع عابرة، لا تجد مكانها في الإعلام، وتأثيرها يكون على نطاق المنطقة من دون أن يرى من في الخارج التطور الذي يحدث.
ولعل تجاوز هذا الخلل لا يبدأ من لوم الأفراد بقدر ما يتطلب وقفة جادة من المؤسسات الإعلامية ذاتها. إعادة تفعيل دور المراسل الميداني هنا تعد ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. وغياب المراسل يعني انقطاع الصلة بين الحدث والجمهور. كما أن مسؤولية التغطية لا ينبغي أن تُترك لاجتهادات شخصية أو مبادرات فردية، بل لابد أن تكون جزءًا من استراتيجية تحريرية واضحة، تُعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الأحداث النوعية حقها في الحضور والمتابعة، بعيدًا عن منطق التفاعل السريع وحده.
وأخيرًا أود التطرق إلى أن الإعلام الحقيقي لا يُصنع من إعادة نشر ما يتداول في المنصات الرقمية، بل نبتيع من الميدان وأساسه الميدان، من الحضور، ومن نقل المنجز كما هو، بعمقه وأبعاده.
ووجود أشخاص متخصصة في المجال من أهم النقاط التي لابد النظر إليها، فالجامعات تدرس أخلاقيات المهنة وتزرع في الإعلامي روح المسؤولية لتغطية الأحداث الهامة التي تعكس بالنفع على المجتمع، كالطب، الثقافة، وغيرها الكثير «وفق مؤشرات حديثة، 36% فقط من الإعلاميين المحليين لديهم تدريب على التغطية العالمية».
في الختام السؤال المهني يبقى قائمًا: هل سنظل نركض وراء ما تفرضه علينا الشاشات؟ أم نعود إلى دورنا الحقيقي في صناعة الأجندة؟ فالقصة لا تختفي إن لم تُنشر، لكنها تبقى ناقصة، وما نحتاجه اليوم هو إعلام حاضر، شاهد، ومسؤول، حتى لا تبقى إنجازاتنا بلا من يرويها.
[email protected]



