في عالم تتغير فيه الأحداث بسرعة، تبدو الأزمة كأنها لحظة تكشف حقيقة المنظمات أكثر مما تكشف حقيقة الحدث نفسه، هناك منظمات تعيش بطمأنينة زائدة، وكأن الأزمات لا تعنيها، فهي لا تراجع جاهزيتها، ولا تسأل عن نقاط ضعفها، ولا تتخيل السيناريو الأسوأ، وحين يحدث ما لم يحسب له حساب، تتساقط الخطط الواهنة، ويبدأ التخبط في الظهور منذ اللحظات الأولى، وأخرى لا تستمع لأصحاب المصلحة، ولا تتوقف عند الملاحظات، ولا تستمع لشكاويهم، ولا تمنح صوت الموظف مساحة كافية، وإداراتها يتصرفون بعقلية رأيي هو القرار، والبقية تفاصيل لا تستحق النظر، ومع مرور الوقت يتشكل حاجز يعزلها عن الواقع، ويجعلها عاجزة عن رؤية المشكلات وهي تنمو أمامها، ومنظمات أخرى تهمل دور العلاقات العامة في بناء الثقة وصناعة السمعة وإدارة الصورة الذهنية، وعند وقوع الأزمة تخرج ببيانات مرتبكة أو غامضة أو تحمل رسائل تزيد الموقف سوءاً، هي بيانات أقرب إلى لا طبنا ولا غدا الشر، فلا تهدئ جمهوراً ولا تشرح حقيقة، وهناك منظمات لا تطوّر مواردها البشرية ولاتدرب فرقها ولا تهيأهم للتعامل مع السيناريوهات المحتملة، وعند وقوع الأزمة يجد الموظف نفسه أمام موقف حساس بلا أدوات ولا توجيه، فتتحول المعالجة إلى ردود فعل متضاربة بدلاً من عمل منظم وواضح، لكن إدارة الأزمات لا تبدأ عند وقوعها، بل قبل ذلك بكثير، فهي تبدأ من تكاتف فريق العمل، فالفريق الذي يدخل الأزمة بخلافاته أو غموض أدواره لن يستطيع مواجهة الحدث مهما كانت خبراته، والذي يدخل الأزمة وهو مختلف أو مرتبك لن يصمد مهما كانت خبراته الفنية،
والأزمة ليست نهاية المطاف، لكنها تكشف نوعية البناء الداخلي لكل مؤسسة لذلك من الضروري التعرف على طبائع قادة المنظمة قبل لحظة الاختبار، فهناك قادة متسرعون أو ممن يهوّن الأمور مما يدفع بالمشهد إلى الاتجاه الخطأ، ففهم الشخصيات يساعد على توزيع الأدوار، وتجنّب ردود فعل غير محسوبة، فالقادة الذين يلجأون إلى سياسة الإنكار وصد الاتهامات في الأزمات ينسون أن الأزمات تكشف المستور وتحتاج إلى تفسير صريح واعتراف بالحقائق، وفي هذا المقام أعجبني من يصح مدير المؤسسة بقول الحقيقة كاملة قبل مؤتمر صحفي لإدارة أزمة حادة عصفت بموقعه عقدت لأجله مؤتمرا صحفيا لبيان موقفها ، مع توضيح ما جرى اتخاذه من معالجات بدلا من إنكار الحدث أو التخفيف منه، وعندما التزم بهذه النصيحة، هدأت ردود الفعل وعبر الأزمة بثقة أكبر ومن دون تهوين أو تهويل.
في النهاية تظل المنظمة التي تُصر على إدارة شؤونها برأي واحد، وتغلق أبواب الحوار، أقل قدرة على الثبات ساعة الأزمة، فالأزمات لا تنتظر من يواجهها، بل تكشف من كان مستعداً ومن كان يؤجل الحقيقة.



