ستكون زاويتي اليوم عن المتحدث بما لا يفقه، لأنه أعجب بقوة الكلمة، فراقت له هيبتها! فنجد ذلك في بعض بيئات العمل التي ترى فيها من لا يحتاج الخبرة ليُسمَع، بل يحتاج لغة مرتبة واثقة، ومجموعة مصطلحات تُلقى في الهواء كأنها بديهيات لا تقبل النقاش؛ حتى يصبح الصمت حوله تفسيراً خاطئاً على أنه احترام، بينما هو في الحقيقة حيرة أو تجنّب!
هيبة المصطلحات ظاهرة شائعة، وهي عبارة عن شخص يتحدث كثيراً، ويشرح أكثر مما ينجز، ويصوغ الجمل كأنها خطط استراتيجية متكاملة، بينما الواقع، لا يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، والأدهى بأنه لا يفهم ما يقوله، بل يفرد عضلاته على من هم حوله، لأنهم متجاوبين لقوة الكلمة.
هذا النمط لا يخطئ لأنه لا يعرف، بل يخطئ لأنه لا يعترف! لذلك لا يسأل، ولا يتعلم، بل يجمع المفردات كما تجمع الدروع، ويقف خلفها واثقاً أن أحداً لن يقترب منه؛ وعندما يُسأل عن التفاصيل، يبدأ بالالتفاف، أو إعادة صياغة السؤال، أو يضيع الوقت!
المشكلة الحقيقية ليست في الشخص ذاته، بل في الأثر الذي يخلفه؛ فهيبة المصطلحات تخلق بيئة مربكة، فهل يصدقون ما يسمعون، أم يخلقون في أنفسهم رغبةً للفهم الأعمق لهذه المصطلحات، ليكونوا معه في نفس الطريق.
هناك من يقول ما لا يفهم، لأنه على يقين بأن هذه الصفصفة للمصطلحات، تعطيه الأمان، لأنه رأى هيبتها عندما مارسها أمامه شخص فاهم وواعٍ لها، ولكنه أغفل نقطة مهمة، وهي بأنه سرقها من شخص مستعد لأي استفسار، أو نقاش لكلماته، فالهيبة التي فيه، هي الثقة بما لديه، وليست في الحفظ والجعجعة بما حفظه!
القيادة الحقيقية ليست في تعقيد اللغة، بل في تبسطيها، والأهم في استخدامها بمكانها الصحيح؛ فالقائد الواثق لا يخشَ أن يقول: لا أعلم، لأن هذه الجملة بداية المعرفة، لا نهاية الهيبة.
هيبة المصطلحات، هيبة مؤقتة، قد تخدع في البداية، لكنها لا تصمد أمام الوقت، فالعمل يكشف، والنتائج تتكلم، بلغة لا تحتاج إلى شرح، وحين تسقط الكلمات، يبقى الفعل وحده شاهداً.
[email protected]



