يأتي هذا الاحتفاء تأكيدًا لمكانة لغة الضاد بوصفها أحد أهم أعمدة الهوية الثقافية والحضارية، ووسيلة أصيلة للتعبير عن الفكر والوجدان عبر قرون طويلة من التاريخ الإنساني.
تعد اللغة العربية من أقدم اللغات الحيّة وأوسعها انتشارًا.
تُظهر تقديرات عديدة أن عدد متحدثي العربية حول العالم - سواء كلغة أم أو كلغة ثانية. مستخدمة - يبلغ تقريبًا بين 400–450 مليون شخص.
وفي بعض الإحصاءات -عند احتساب المتحدثين بالعربية الفصحى والمستخدمة في التعليم والإعلام - يُشار إلى أن عدد مستخدميها يصل إلى نحو 335 – 334.5 مليون.
بذلك، تظل العربية من أكثر اللغات انتشارا في العالم، وقد حافظت على حضور واسع عبر قارّات متعددة.
لقد شكّلت العربية جسرًا معرفيًا ساهم في نهضة الأمم، خاصة في العصور الإسلامية التي شهدت ازدهارًا في الطب، والفلك، والفلسفة، والآداب. كما كانت العربية وعاءً لحفظ الدين والعلم والتراث، وديوانًا يختزن روائع الشعر والنثر، وقناة لنقل الحضارات بين الشرق والغرب الأمر الذي يجعلها لغة حضارة وإنجاز، لا مجرد وسيلة تواصل.
ورغم هذه المكانة الراسخة، تواجه العربية اليوم تحديات متنامية في ظل الانفتاح الإعلامي والتقني، وهيمنة اللغات الأجنبية على المعرفة الحديثة ومصادرها. كما أسهم الاستخدام الواسع للهجات والعامية في وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف الفصاحة لدى الأجيال الجديدة. وتبرز الحاجة الملحّة إلى مبادرات مؤسسية وثقافية تعيد الاعتبار للعربية في التعليم والإعلام والبحث العلمي، بما يسهم في تطوير أدواتها وتنمية حضورها في الفضاء الرقمي.
يلعب الإعلام المعاصر دورًا محوريًا في حماية اللغة العربية، من خلال تعزيز المحتوى الفصيح، وتقديم لغة إعلامية راقية بعيدة عن الركاكة والخلط اللغوي. كما تتحمل المدارس والجامعات مسؤولية تربوية في غرس الاعتزاز بالعربية، وتشجيع الطلاب على القراءة والكتابة بها بوصفها لغة معرفة لا مجرد مادة دراسية.
من هذا المنطلق، أود أن أُشيد بما أولته جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، من عناية بالغة باللغة العربية. فقد أطلقت كلية الآداب جائزة الإبداع الأدبي تحت عنوان «اللغة العربية.. لغة نفخر بها» تشجيعا للمبدعين في مجالات اللغة المتعددة، وتأتي هذه المسابقة بوصفها محفّزًا لتعزيز المشاركة والإبداع، وتأكيدًا لأهمية دعم اللغة العربية في يومها العالمي.
إن الاحتفاء بيوم اللغة العربية ليس مجرد حدث سنوي عابر، بل هو دعوة متجددة للتمسّك بالهوية، وصون اللسان، وإحياء الوعي بقيمة لغةٍ حملت تاريخ أمةٍ وصاغت فكرها. فالعربية - التي حملت إعجاز القرآن الكريم وأعطت العالم شعر المتنبي، وفكر ابن خلدون، وغيرهم الكثير والكثير - تستحق أن تُصان وتُطوَّر لتبقى لغة حياة، قادرة على تجديد حضورها في كل عصر.
ستظل العربية لسانًا حيًّا ما دام في الأمة إيمانٌ بهويتها، ووعيٌ برسالتها، واعتزازٌ بلغةٍ أنزل الله بها كتابه الخالد.
[email protected]



