نحن ننتمي إلى جيل ينظر إلى الماضي بأنه مصدر الإلهام وقصة الكفاح التي عاشها الآباء والأجداد في ظل ظروف مختلفة عن الحاضر، ظروف لم تتوافر فيها الكثير من الإمكانات المتاحة اليوم ورغم كل تلك التحديات تمكنوا من صناعة قصص نجاح خالدة ورثوها لأبنائهم. ونحن اليوم نعيش واقعاً مختلفاً في وفرة الامكانيات وسرعة الإيقاع الذي تسير فيه الأمور والأهم من ذلك اختلاف الكثير من المعايير التي ترتبط فكرة النجاح ذاتها وكيفية بلوغها والقدرة على مجاراة هذا التسارع الذي يسير به الوقت وتتطور فيه الإمكانات وتتغير فيه الفرص ليحكي قصة مختلفة في تفاصيلها لجيل لديه الكثير من الطموح وفي ذات الوقت يرقب التطلعات يحذر كي لا يفوته ذلك القطار بل تلك الطائرة التي تحلق دون توقف أو تنتظر أحداً.
إن جيلنا اليوم يحاول بكل ما يستطيع أن يصنع واقعاً ناجحاً لذاته ويجلب الفخر لمن حوله، يحاول أن يكون ناجحًا في دراسته، متوازنًا في علاقاته، مُرضيًا لأهله، ومواكبًا لصورةٍ مثالية يفرضها عليه المجتمع. ومع ذلك، يحمل في داخله قلقًا صامتًا لا يُسمع، لكنه يُرهِق.
كثيرٌ منّا يظهر بثقة أمام الآخرين، لكن حين يختلي بنفسه يبدأ الصراع الداخلي: هل أسير في الطريق الصحيح؟ هل تأخّرت؟ هل سأصل مثل غيري؟ ومع المقارنات المتواصلة في وسائل التواصل، صارت رحلة النجاح وكأنها سباق لا يُسمح فيه بالتوقف أو حتى الالتفات يمينًا ويسارًا.
غير أن الحقيقة التي يجب أن نتأملها هي أنّ لكل إنسان توقيته الخاص، ووتيرة يخطو بها، وتجارب تصنع شخصيته، حتى لو كانت مؤلمة أحيانًا. فالتأخر ليس فشلًا، والتعثر ليس نهاية؛ بل قد يكون مرحلة ضرورية لاكتشاف الذات، وإعادة ترتيب الأهداف، وتحديد الطريق الذي يناسبنا حقًّا لا الطريق الذي يفرضه الآخرون علينا.
لقد اعتدنا أن نُخفي ضعفنا كي لا نُحاكم أو نُنتقَد، بينما الواقع يقول إن الصمود لا يعني القوة المطلقة، بل يعني أن نملك الشجاعة الكافية لنكمّل الطريق حتى حين نشعر بالثقل.
فليس مطلوبًا أن نكون الأسرع، ولا الأبرز، بل أن نحافظ على قدرتنا على النهوض كلّما تعثّرنا.
جيل اليوم ليس تائهًا كما يُقال، بل يحاول أن يصنع طريقًا لا يشبه سواه، ويبحث عن معنى النجاح قبل أن يبحث عن اسمه. وما دام في قلوبنا إيمانٌ بأن الفرصة ستأتي - ولو بعد حين - فنحن لم نُهزَم بعد.
وأنا أؤمن أن أقوى لحظة يعيشها الإنسان هي لحظة يقول فيها لنفسه: سأمشي بهدوء، لكنني لن أتوقف. فهنالك دائمًا مساحة صغيرة في آخر الطريق، قد تتحوّل فيها الخطوة البسيطة إلى بداية كبيرة.
كثيرٌ منّا يظهر بثقة أمام الآخرين، لكن حين يختلي بنفسه يبدأ الصراع الداخلي: هل أسير في الطريق الصحيح؟
[email protected]



