لماذا تسقط طائرة بوينج جديدة بعد 13 دقيقة فقط من الإقلاع؟
في تلك اللحظة، لم يكن لدى الخبراء أي تفسير منطقي. فالطائرة التي سقطت قبالة إندونيسيا كانت واحدة من أحدث طائرات بوينج وأكثرها تطوراً؛ لم يمضِ على دخولها الخدمة سوى شهرين فقط، وسجلت 800 ساعة طيران. بقي السؤال بلا جواب، لأن الشركة التزمت الصمت وفضّلت تجنّب الاعتراف بالمشكلة الحقيقية.
هذا الصمت كلّف بوينج الكثير. فبعد خمسة أشهر فقط تكرّر السيناريو نفسه مع الخطوط الجوية الإثيوبية، ولتتكشّف لاحقاً الحقيقة:
كانت بوينج على علم مسبق بخلل في نظام الطائرة قبل عام من وقوع الحادثتين اللتين راح ضحيتهما 346 إنساناً، لكنها لم تتخذ أي إجراء حاسم. كان ملخص الخلل في النسخة الأحدث من طائرة 737 هي في جعل ميزة إنذار السلامة اختيارية بدلاً من أن تكون أساسية. وتعرف الميزة المعنية باسم تنبيه عدم الموافقة على زاوية الهجوم (AOA)، وقد تم تصميمها لإعلام الطيارين عندما يبلغ مستشعران مختلفان عن بيانات متضاربة، وفي الحادثين كان يمكن النزول المفاجىء للطائرة لو تم فصل الطيار الالي. لم تتحطم الطائرتان فحسب، بل تحطم معهما رصيد بوينج من الثقة وسمعتها التي بنتها على مدى عقود.
في المقابل، نتعلم درساً مختلفاً من تعامل إيرباص مع حادث وقع مؤخراً لطائرة تابعة لـJetBlue Airways، حين تعرضت الطائرة لانحدار مفاجئ بسبب عطل حاسوبي دون أي تدخل من الطيارين. ورغم عدم وقوع إصابات، كشفت إيرباص خلال أقل من شهر عن السبب:
الإشعاع الشمسي المكثّف تسبب في إتلاف بيانات أساسية لنظام التحكم بالطيران.
اعترفت الشركة بالخلل بشفافية، وأصدرت فوراً توجيهاً طارئاً لصلاحية الطيران (Emergency Airworthiness Directive) لكل المشغّلين لإجراء تحديث برمجي إلزامي. تسبب القرار في إلغاء مئات الرحلات عالمياً، لكنه أنقذ الأرواح، وحفظ سمعة الشركة، وأثبت أن الشفافية ليست خسارة بل استثمار في الثقة.
ورأيي أن ما فعلته إيرباص يمنحنا درساً في كيفية إدارة الأزمات باحترافية تعتمد على الشفافية، الصدق، وسرعة اتخاذ القرار. فالاعتراف بوجود أزمة ليس ضعفاً ولا ترفاً، بل هو أول وأهم خطوة في إدارة ناجحة للأزمة. ففضلاً عن كونه أسرع وسيلة لقتل الشائعات، فهو أيضا يبني جسوراً من الثقة والولاء بين المؤسسات وجمهورها.



