هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» قدمت العديد من المبادرات المميزة خلال السنوات الماضية، ولكن أعتقد أننا بحاجة لدعم الهيئة لإستهداف انتقال المنشآت الصغيرة والمتوسطة من «إدارة الفرد» إلى مرحلة «النضج المؤسسي»، وهذا الانتقال يتم من خلال تبني وتشجيع تطبيق ممارسات سليمة للحوكمة داخل تلك المنشآت لغرس ثقافة «الحوكمة» في مرحلة مبكرة، والذي سينتج من ذلك تأسيس جيل مميز من «المنشآت المستقبلية» القادرة على النمو المستدام وجذب الاستثمارات والمنافسة عالمياً.
واقعياً لو حللنا الأزمات والتجاوزات التي تواجه بعض المنشآت المُدرجة في السوق المالية، سنجد أن جذور العديد منها يعود إلى خلل واضح في تطبيق ممارسات الحوكمة، وأغلب الأسباب التي تؤدي لتلك الأزمات والتجاوزات تنشأ من ضعف أداء مجلس الإدارة في الرقابة على الإدارة التنفيذية، أو من تضارب المصالح بين أعضاء المجلس، أو من هيمنة شخص واحد على القرار خاصة في المنشآت العائلية التي تم انتقالها للإدراج العام، بالإضافة لغياب آليات فعالة للرقابة المالية والإدارية وإدارة المخاطر، وهذه الأسباب شبيهة بالتي ترتكبها المنشآت الصغيرة والمتوسطة ولكن على نطاق أصغر، والمشكلة أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة قد لا تتحمل تبعات ذلك مما يؤدي لسقوطها بشكل أسرع، ولذلك تكمن أهمية تطبيق ممارسات «الحوكمة» بالشكل الصحيح بمثابة «التطعيم الوقائي» للمنشآت بغض النظر عن حجمها.
الظروف الحالية التي يمر بها قطاع الأعمال والاقتصاد عالمياً لها تأثير كبير على استدامة وتوسع العديد من المنشآت، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم تتأثر بشكل أكبر من غيرها في حال وجود أي تقلبات اقتصادية، وفي مقال سابق نوهت بأهمية وجود برامج دعم مالي ومبادرات مختصة في الحوكمة وانشاء المجالس الاستشارية لتلك المنشآت، خاصة التي أكملت 5 سنوات كأقل تقدير في السوق، وذلك من خلال مبادرات تشرف عليها هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، وعلى الرغم من أن بعض الجهات الحكومية تخصص تقديم ساعات استشارية مجانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لدعمها، لكن كوجهة نظر شخصية أرى أن وجود ودعم الاستقلالية في هذا الجانب تأثيره أكبر، والحل الأمثل لذلك هو تخصيص برامج ومبادرات لدعم تطبيق الحوكمة لمدة معينة حتى تنتشر هذه الثقافة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
الاستثمار في الحوكمة هو استثمار في المستقبل، ومن المهم أن تركز هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» على مرحلة «النضج المؤسسي» خاصة في تعزيز جانب الحوكمة، وذلك من خلال تصميم برامج توعوية مُركزة لملاك تلك المنشآت، وتطوير أدلة ونماذج استرشادية للحوكمة تناسب مراحل نمو المنشأة المختلفة، وأقترح لو تم ربط جزء من الحوافز الحكومية بمدى تطبيق المنشأة لممارسات الحوكمة كمعيار تنافسي، فالتركيز على دعم ممارسات الحوكمة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو استثمار استراتيجي في المستقبل الاقتصادي للمملكة، ويضمن لنا منشآت أكثر مرونة قادرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات بفضل أنظمة رقابية قوية، ومنشآت جاهزة لعمليات الدمج والاستحواذ أو الطرح العام في المستقبل بفضل هيكلها المؤسسي الواضح، إضافة لمنشآت جاذبة للاستثمار الأجنبي والمحلي.
ختاماً؛ الحوكمة هي البوصلة التي ستوجه المنشآت للمستقبل بثبات وأمان، وكقاعدة إدارية مبسطة «بدلاً من انتظار وقوع الأخطاء ثم معالجتها بقوانين وعقوبات، علينا أن ندعم الممارسات الاستباقية التي تعزز غرس الثقافة الصحيحة من البداية».
مستشار موارد بشرية
[email protected]



