إنها آلية دفاعية عميقة، أن نحمل المرآة موجهة نحو الآخرين لا نحو وجوهنا. فكل عيب نسمعه، نبحث له عن ملامح قريبة نعرفها، نعلّقه على كتف أحدهم كي يخفّ عنّا عبء احتماله. نحب أن نصدّق أننا بخير، أن هذه الصفات لا تعنينا، وأننا أبعد ما نكون عن تلك الأخطاء. نغسل أيدينا من الذنب حتى قبل أن يُذكر اسمه، وننفي صلتنا بكل ما هو ناقص فينا وكأنه لا يخصنا.
لكن من أين تأتي هذه الصفات إذن؟ من أي أرض تنبت إن لم تكن فينا جميعًا؟ نحن لسنا سوى مرايا لبعضنا، تعكس كل نفسٍ ما في الأخرى، بقدرٍ أو بآخر. غير أننا نتقن التهرّب من مواجهة الصورة الحقيقية، لأننا نعلم أن النظر إليها يحتاج شجاعة لا تتوفر كل يوم. نكذب على أنفسنا بصدقٍ غريب، ونتواطأ مع ضمائرنا كي نحتفظ بوهم الطهارة، ونبقى مطمئنين أننا على الجانب الصحيح من الحياة.
«لست أنا» هي العبارة التي ترافقنا بصمت، نتمتم بها كلما واجهنا عيبًا يشبهنا. نقولها حين نسمع عن الجشع ونحن نحلم بالمزيد، نقولها عند الحديث عن المجاملة ونحن نعرف أننا نمارسها أكثر مما ينبغي، نقولها ونحن ندرك في أعماقنا أننا لسنا دائمًا أفضل مما نظن. هذه الجملة الصغيرة التي تمنحنا راحة مؤقتة، هي ذاتها التي تبقينا في أماكننا، عاجزين عن التغيير.
لو أننا في كل مرة سمعنا فيها نقدًا أو وعيدًا، التفتنا لأنفسنا قبل أن نلتفت للآخرين، لربما تغيّر شيء فينا. لأن الإصلاح لا يبدأ من الخارج، بل من لحظة صادقة نكفّ فيها عن البحث عن مذنبٍ آخر. أن نعترف بأننا جزء من المشكلة، وأننا أحيانًا نحتاج أن نصلح أنفسنا قبل أن نصلح العالم.
لكننا نؤجل هذا الاعتراف. لأنه ثقيل، ومؤلم، ويخلخل الصورة الهادئة التي رسمناها لأنفسنا. لذلك نواصل اللعبة نفسها: نسمع، نحكم، ثم ننجو بعبارةٍ واحدة تريحنا من عبء التفكير. نقولها بخفةٍ، دون وعيٍ ربما، فنغلق الدائرة ونمضي: لست أنا.
وفي النهاية، لا ينتصر الإنسان حين يبرّئ نفسه، بل حين يجرؤ على أن يرى الحقيقة كما هي، دون تجميلٍ أو إنكار. فربما كان الطريق إلى الصفاء لا يبدأ من أن نكون أبرياء، بل من أن نكون صادقين.
لست أنا؟ ربما كنت أنا بعض الشيء.. وربما يكفيني الآن أن أعترف بذلك بهدوء.
[email protected]



