نعيش أحياناً مقيدين بتوقعات الآخرين، نحاول أن نكون كما يريدون لا كما نحن، نتماشى مع الأدوار المفروضة علينا، ونسميها «الذات»، بينما هي في الحقيقة انعكاس لصوت المجتمع أو لظلّ الخوف من الرفض. ومع مرور الوقت، ننسى ملامحنا الأصلية تحت طبقات من التصنّع والمجاراة.
وفي هذا السياق، تبدو قصيدة محمود درويش «لا شيء يعجبني» مرآة صادقة لهذا القلق الإنساني، إذ يرسم فيها الشاعر مشهدًا رمزيًا في حافلة تسير نحو «محطةٍ» تمثل نهاية الرحلة أو حدود الوجود، بينما يردد الركاب عبارة واحدة: «لا شيءَ يُعْجبُني» ومن خلال هذا المشهد اليومي، يُحوِّل الشاعر الرحلة إلى رمزٍ لرحلة الإنسان في الحياة، وإلى صورةٍ لبحثه المتواصل عن ذاته المفقودة.
يبدأ النص بصوتٍ يقول:
«لا شيء يعجبني، يقول مسافرٌ في الباصِ - لا الراديو، ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال. أريد أن أبكي».
في هذه الافتتاحية، تتجلّى الحالة الوجودية للإنسان المعاصر؛ لم يعد في الأشياء ما يثير الدهشة، ولا في العالم ما يمنح الرضا، كل شيء فقد بريقه لأن الذات فقدت معناها الداخلي.
إنها ليست شكوى من الواقع، بل صرخة من الداخل تعبّر عن الفراغ الروحي، عن ذاك الإحساس بأن الحياة تسير دون وجهة، وأن الإنسان أصبح متفرجًا في عالم لم يعد يشبهه.
يواصل درويش بناء المشهد عبر أصواتٍ متتالية تمثّل شرائح مختلفة من الناس:
السيدة التي فقدت ابنها، الجامعي الذي لم يجد هويته في الحجارة رغم دراسته للآثار، الجندي الذي يطارد شبحًا لا يفارقه.. كلّ صوتٍ من هذه الأصوات يحمل صورة من صور الاغتراب الإنساني، الاغتراب عن العائلة، عن التاريخ، عن الذات، وحتى عن الجسد.
«درست الأركيولوجيا دون أن أجد الهوية في الحجارة، هل أنا حقًا أنا؟» بهذا التساؤل يضع درويش لبّ القصيدة، ويمتدّ صداها إلى عنوان المقال نفسه، إنه السؤال الأبدي عن الهوية: من نكون وسط هذا العالم المتحوّل؟ هل ما نراه في المرآة هو «نحن»، أم مجرد انعكاس لما يريد العالم أن نكون عليه؟!
يصبح «لا شيء يعجبني» هنا ليس تعبيرًا عن مللٍ عابر، بل عن رفضٍ عميقٍ للزيف، وللمعنى المعلّب الذي يُفرض على الإنسان.
وحين يقول الشاعر في الختام:
«أما أنا فأقول: أنزلني هنا.
أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبت من السفر»
يبلغ النص قمّته الوجدانية.
إنها لحظة وعيٍ مرهق، لحظة إدراك أن البحث عن الذات مرهق بقدر ما هو ضروري، فالإنسان، مهما تعب من الطريق، لا يستطيع أن يتوقف عن السؤال، هو يعرف أنه لن يجد جوابًا نهائيًا، لكنه يجد معناه في الاستمرار بالسير، في إرادة الاكتشاف رغم التعب.
من هنا تتقاطع القصيدة مع جوهر المقال: كلّنا «ركّاب» في هذه الحافلة الوجودية، نُعيد طرح السؤال ذاته بأشكال مختلفة، نرفض التوقف عند المحطة، ونقول -كما قال ركّاب درويش - «نريد ما بعد المحطة.»
ففي النهاية، ليست الغاية أن نصل، بل أن نستمر في الرحلة، لأن رحلة البحث عن الذات لا تنتهي، ولأن الإنسان - ما دام يسأل - ما زال حيًّا، وما زال يحاول أن يكون هو.. حقًا هو.
[email protected]



