كل شيء بات في المتناول: الموضة، والتقنيات، والسيارات، والسفر، وكلّ ما كان يُعد يومًا ترفًا بعيد المنال. ومع هذا الاتساع في الإمكان، ضاق الفارق بيننا. أصبحنا نمتلك أكثر، لكننا نُشبه بعضنا أكثر في الوجوه، والاهتمامات، والذوق، وحتى في أنماط الحياة.
هل السبب فعلًا هو توافر الإمكانات؟ أم تحوّل الذوق الفردي إلى ذوقٍ جماعيٍّ مُصنَّع؟
نحن ندرك أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأبرز في هذا التحوّل؛ فهي التي أسهمت في خلق معايير للجمال والنجاح والحياة المثالية. فتبدّل مفهوم الذوق، ولم يعد نتاج التجربة الشخصية أو الثقافة أو البيئة، بل أصبح نتاج خوارزميات تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. وعزّز ذلك سهولة الوصول إلى ما نريد، وتوفّر الخيارات في كل اتجاه. وعندما يفقد الشيء صعوبته، يفقد جزءًا من قيمته، ومن إحساسنا بالتميّز حين نملكه.
أصبح الجميع يملك الأدوات ذاتها, فلم نعد نعرف من يختار فعلًا، ومن يُقلّد، من يعيش لنفسه، ومن يعيش ليُرى, وذلك أخطر ما وصلنا إليه!
مايصعب علينا إدراكه اليوم أننا أصبحنا نعيش زمنًا لا نستطيع فيه أن نكون أنفسنا. فالقليل فقط من يملك الشجاعة ليعتز بجوهره، ويحتفظ بذوقه، ويكون مختلفًا في عالمٍ يحتفي بالتكرار. نعم، أصبحنا قادرين على الوصول إلى كل شيء، لكننا في المقابل فقدنا لذّة الندرة، وخصوصية التفرّد، وبعض الصدق في من نكون.
فما الذي تغيّر؟
في الماضي، كانت الطبقية تُقاس بالمادّيات الواضحة؛ من يملك المال يعيش مستوى معيشيًا مختلفًا، وكانت المسافة بين الطبقات تُرى بالعين -في البيوت، والسيارات، والملابس، وأسلوب الحياة -.
أما اليوم، فقد تقلّصت الفوارق المادية الظاهرة، وبشكلٍ أو بآخر، بات بوسع أي شخص أن يقتني ما كان يومًا رمزًا للترف والثراء. فالتفاوت لم يختفِ كما نظن، بل تغيّر شكله واتجاهه؛ فقد انتقل من الجيب إلى الوعي، ومن المظاهر إلى القيم، ومن الصورة إلى الجوهر.
لقد نشأت طبقيّات جديدة تستحق أن نحرص على الانتماء إليها:
طبقيّة في الذائقة، لمن يرى الجمال بعينه لا بما يراه الآخرون.
طبقيّة في الصدق، لمن يجرؤ أن يكون نفسه دون تزيينٍ أو ادّعاء.
طبقيّة في الأصالة، لمن يبحث عمّا يُعبّر عنه حقًا، لا عمّا يُرضي عيون الآخرين.
طبقيّة في الوعي، لمن يُفكّر ويسأل عن الحقيقة بدل أن يُردّد ما يُقال له.
طبقيّة في العمق، لمن يعيش بتأمّلٍ ومعنى في عالمٍ سطحيٍّ سريع.
ورغم الفيض من التشابه والقدرة، لم يعد التميّز الحقيقي في ما نستطيع، بل في ما نختار.. وفي أن ننتمي إلى طبقةٍ تصنعها القيم، لا الأشياء.



