الأمثال ليست بريئة، ولا حيادية، ولا مجرد حكمة تُروى عند الحاجة؛ إنها في كثير من الأحيان سلاح نفسي، يبني رؤية الإنسان للعالم، يحدّد حجم ثقته بمن حوله، ويبرمج طريقة تفاعله مع الخطر، ومع الطموح، ومع المجتمع نفسه ، الشعوب لا تتحول فجأة، بل تتبدّل حين تتكوّن ذاكرتها من مثلٍ يقدّس الحذر، أو يموّه الخوف بالحكمة، أو يزرع الشك مستتراً خلف كلمة «تجربة».
خذ مثلاً : لا يوجد جبن مجّاني إلا في المصيدة وهو مثل روسي يُقال لزرع الحذر، لكنه في العمق يعلّم الإنسان أن كل فرصة هي فخ، وكل مكسب خديعة، وكل يد ممدودة تحمل سُمّاً خلف الابتسامة ، الأمثال من هذا النوع تصنع شعوباً مترددة، تحسب الخطر أكثر مما تحسب الإمكان، ترى العالم كحيلة مستمرة، لا كفرصة للتقدم ، وما يبدو نصيحة ذكية يصبح في اللاوعي برنامجاً يشوّه معنى النجاح، ويُدخل الناس في دائرة خوف لا قرار لها.
ثم يأتي المثل الألماني: الذئب مستعد دائماً للعمل كراعٍ بلا أجر ، فيتجاوز دائرة التحذير إلى دائرة الشك المطلق وهنا لا يُدرَّب الإنسان على الانتباه فقط، بل على الارتياب بكل فاعل خير، على التعامل مع كل متقدّم نحوه كذئب مقنَّع وهذه التربية العاطفية لا تقتل الثقة فحسب، لكنها تجعل الشعوب عاجزة عن بناء تحالفات، أو قبول الدعم، أو التمييز بين الخطر والحليف. عندما يُعاد إنتاج هذا المثل كعقيدة اجتماعية، فإنه يحوّل المجتمع إلى قطيعٍ لا يثق حتى في الحارس، ثم يلوم نفسه لأن الذئاب تتكاثر.
أما المثل الإفريقي: لا تُخبر التمساح أنه قبيح قبل أن تعبر النهر ، فهو يعلّم الصمت لا بدافع الحكمة، بل بدافع الخوف. إنه يخلق إنساناً يجيد المجاملة في وجه الأقوياء، ويُخفي رأيه حتى تتأمّن سلامته وهنا يتشكل مجتمع مزدوج اللسان، يبتسم للباطل لأنه لم يصل بعد إلى الضفة الثانية، وحين يصل، يكون قد خسر لسانه وصوته وشجاعته. ليس غريباً أن تتحول هذه العقلية إلى بنية حكم، ثم إلى ثقافة، ثم إلى أجيال تخشى الاعتراف بقبح الطغيان لأن النهر طويل... والتمساح كثير.
ويأتي المثل الصيني: إذا تركت عدوك يجتاز العتبة، ستراه قريباً فوق المائدة ، فيغرس في النفس شعوراً بأن الضعف لحظة، وأن التساهل مقدمة للانكسار، لكن خطورته أنه يجعل كل اختلاف عداوة محتملة، وكل ضيف غازياً مؤجلاً ، وكل علاقة حرباً تنتظر ، إنه مثل يخلق ذاكرة هجومية، تستبق الخيانة بخيانة، وتمنح الشك صفة الذكاء، فلا يبقى في المجتمع صداقات متينة، بل تحالفات مؤقتة تؤدي دورها ثم تُكسَر.
هذه الأمثال لا تُبنى في الفراغ، بل تتشكل حين يمر الإنسان بالخيبات، فتبحث عن كلمات تختصر التجربة، لكنها حين تُردَّد كثيراً ، تتحول من تجربة فردية إلى قانون جمعي. تبدأ كجملة، وتنتهي كحدود ذهنية لا يجرؤ الناس على تجاوزها.
الأخطر من الأمثال، ليس وجودها، بل تحوّلها إلى بوصلة. الأمثال التي تُستخدم كعتادٍ للدفاع عن النفس تصنع أمةً من الناجين، لا من الفاعلين، أمة تراقب المصيدة أكثر مما تحلم بالجبن.
حين تُصبح الأمثال فلسفة حياة، لا نصيحة عابرة، يتحوّل الشعب إلى صورة من الماضي؛ حذراً ، مرتاباً ، يائساً من الخير، مقتنعاً بأن الذكاء هو النجاة الفردية، لا البناء الجمعي. وحين تستيقظ الأمم المتقدمة كل يوم على أمثال تُحرّض على التجربة، بينما نستيقظ نحن على أمثال تُحذّر من الفخ، يصبح الفرق الحضاري مجرّد ترجمة نفسية لما نسمّيه: حكمة الأجداد.
وهكذا يفهم الإنسان متأخراً أن الأمثال لا تُردّد.. بل تُعاد برمجتها. وأن الشعوب التي تعيش في ظلّ الأمثال لا تحتاج إلى عدو خارجي، أما الشعوب التي تصنع أمثالاً جديدة، فهي الشعوب التي قررت أن تعبُر النهر.. دون أن تحسب عدد الأسنان في فم التمساح.
[email protected]



