وبينما كان جنود المسلمين يسوقون الأسرى والسبايا إلى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، دفع أحد المسلمين إحدى السبايا بغير قصد، فقالت: أنا أخت صاحبكم!
لم يصدقوها، فلما مثُلت بين يدي النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، أخبروه بشأنها، فسألها، فقالت:
يا رسول الله، أنا أختك، أنا الشيماء بنت الحارث.
فقال لها: إن تكوني صادقة، فإن بك مني أثرًا لا يبلى.
فكشفت عن عضدها وقالت: نعم يا رسول الله، وأنت صغير عضضتني هذه العضة.
فقام إليها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأخذها معه إلى ظل الشجرة التي كان يقسم تحتها غنائم الحرب، وبسط لها رداءه، وأخذ يسألها عن عائلتها، وعن أحوالها، وذكرياته معها.
كانت الشيماء بنت حليمة السعدية مرضعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي أكبر منه سنًّا؛ كانت تحمله وتلاعبه وتمازحه وتهتم به، حتى إنه عضّها في عضدها وهو صغير فبقي أثر تلك العضة.
وحينما جاءت إليه أخيرًا كانت كبيرة في السن، فخيّرها بين البقاء معه أو العودة إلى أهلها وقومها، فاختارت قومها. وفيما بعد أعلنت إسلامها، فقال لها -صلى الله عليه وسلم-: سَلي تُعْطَي، واشفعي تُشفَّعي، فأطلق سراح الأسرى من قومها، وأعاد إليهم أموالهم، وبعث لها خادمًا وخادمة ليخدماها.
قصة الشيماء بنت الحارث ليست مجرد لقاء بعد فراق، بل درس خالد في الوفاء وردّ الجميل.
لقد أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم-أن القلوب النقية لا تنسى من أحسن إليها، وأن الرحمة لا تعرف زمنًا ولا حربًا.
ففي العادة، الحروب تُخلّف الأحقاد، لكن جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- ليعلّم الناس أن العفو زينة النصر، وأن الوفاء أسمى من الغنائم.
* قفلة
قال أبو البندري غفر الله له:
كل ضغائن الحروب تتحطم، وكل خصومات الدنيا تذوب، أمام دفء الأخوّة التي لا يطفئها زمن ولا يغيّرها نصر.
[email protected]



