وبعدها بشهرين، عقدت «News Corp» التي تضم «Wall Street Journal» و»The Times» و The Sun» صفقة أكبر تجاوزت قيمتها 250 مليون دولار لخمس سنوات، تمنح «OpenAI» إمكانية الوصول إلى محتواها وأرشيفها لإثراء قدرات الذكاء الاصطناعي في الأخبار، وهي اتفاقيات تعكس ديناميكية استراتيجية النمو في هذه المؤسسات الإعلامية العريقة بما يواكب ثورة الذكاء الاصطناعي ويحفظ قيمة المحتوى الصحفي الموثوق ويحافظ على استدامة الموارد.
وفي سبتمبتر مع إطلاق «OpenAI» لخدمة «ChatGPT News Digest» أو «Pulse» التي تتيح للمستخدمين تلقي موجز يومي للأخبار داخل التطبيق نفسه، ما يعني أنّ الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول من «وسيط معلومات» إلى «منصّة إعلامية» بحد ذاتها.
ومع أن هذه التطورات تعد في جانب منها ضغطاَ إضافيا على المؤسسات الإعلامية التي تلاشت مواردها وفقدت كوادرها الكهنية، إلا أنها في جانب آخر تعد فرصة لانقاذ الصحف إذا أحسنت استغلالها، وقررت التحول من موقع المراقب للتطورات التقنية دون التحريك ساكناً إلى أخذ موقع الشريك الفاعل والمؤثر في المشهد الإعلامي.
ورأيي أن على المؤسسات الصحافية إذا ما أرادت البقاء أن تتحرك على ثلاثة اتجاهات:
أولها المسار القانوني لجهة حماية حقوقها وبناء إطار قانوني واضح ومطالبة المؤسسات الحكومية المشرعة للإعلام بسياسات تنظم استخدام محتواها، وآلية ذكر المصدر، بدل الاكتفاء بالاعتماد على القوانين العامة أو الشكاوى اللاحقة.
وفي المسار الثاني تغيير نموذج العمل بما يكفل تنويع مصادر الإيرادات والابتكار في تعظيم قيمة المحتوى والتوزيع واستثمار قاعدة المعلومات والارشيف الثمين للمؤسسات. فالاعتماد على الإعلانات وحدها لم يعد كافيًا، ويمكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قناة جديدة للاشتراكات، أو خدمات تحليلية موجهة، أو موجزات متخصصة تحمل هوية الصحيفة نفسها.
وفي الجانب الثالث، لا ينبغي إغفال قيمة المحتوى الصحفي، والعمل على تعزيز جودته ومصداقيته باتباع قواعد المهنة. وفي زمن الموجزات التلقائية، سيبقى المحتوى العميق والتحليل المتخصّص هو ما يحفظ ثقة الجمهور ويُبقي للصحف مكانتها.
إنّ اتفاقات «OpenAI» مع «Le Monde و»News Corp» تؤكد أنّ مستقبل الإعلام لن يقوم على الصراع مع التقنية، بل على الشراكة الذكية معها. والمشهد اليوم يتيح أمام الإعلام العربي فرصة نادرة: أن يدخل مبكرًا في منظومة الذكاء الاصطناعي لا كمصدر ثانوي للمعلومات، بل كشريك أساسي في صناعة المعرفة وصياغة الوعي الرقمي الجديد.
فالذكاء الاصطناعي ليس تهديداً دائماً بل يمكن النظر إليه كفرصة لتوسيع الانتشار وبناء مصادر دخل جديدة من ترخيص المحتوى. فشراكات مثل «Le Monde» مع « OpenAI» أثبتت أن المحتوى الموثوق كان ولايزال وسيبقى أصلًا استراتيجيًا له قيمة مالية حقيقية.
[email protected]



