السلّطة ليست شراً بذاتها؛ فهي ضرورة للتنظيم عموماً، خصوصاً في بيئة العمل، ولقيادة الفرق نحو هدفٍ واضح، لكنها تتحول إلى وحش عندما تحكمها الغريزة، بدل القيم؛ عندما تكون أداة للهيمنة، لا وسيلة للتمكين؛ حينها تصبح بيئة العمل مسرحاً للخسائر الصامتة؛ يغادر منها المبدعون، يتلاشى الشغف، ويعم الجمود عوضاً عن التطوير.
القائد الحقيقي ليس من يفرض حضوره على الآخرين، بل من يجعلهم يشعرون بقدراتهم أكثر؛ من يمكِّنهم أكثر، من يمنحهم المساحة الكافية لاكتشاف مهاراتهم الخفية؛ وهم نادرون رغم وجودهم؛ ومن ندرتهم تستغرب جداً نهجهم عندما تصادف أحدهم وتستمع إليه؛ فهل ما اسمعه واقعٌ أم تمثيل!
هل تحتاج السلّطة لتشعر بالأمان؟ أم أن الأمان الحقيقي هو في أن تكون متصالحاً مع نفسك دون الحاجة إلى الهيمنة؟ مع العلم بأن بيئة العمل هي مثال اطرّت به هذا المقال، مع أن السلّطة القاتلة حقاً هي السلطة في المنزل، التي تخلق أناس مليئين بالخوف، الحذر، والانهزام؛ فجائع السلطة، مريض يحتاج إلى أن يتعالج، فإن لم يتعالج سيأكله نهمه ذاتياً، قبل أن يأكل الآخرين، ويُترك في النهاية وحيداً على قمة لا أحد يريد أن يصعدها معه، أو يشاركه هذا الصعود؛ وقد يعتقد أن صمتهم، نجاح، أو خوف، أو احترام؛ بينما الحقيقة هي انسحاب من أذاه.
السلطة مسؤولية وليست لقباً تفرح به؛ أمانة وليست قوة؛ وحقيقة القوة فيها ليست اخضاع من حولك، بل فهمهم ورفعهم معك إلى القمة التي تتسع للجميع؛ فأنت تحتاج إلى أقوياء تستندون على بعضكم لا إلى ضعفاء يحملوك إلى الأعلى ثم يفلتوك للقاع من هشاشتهم، وعدم إيمانهم بك.
[email protected]



