لا تُقاس قيمة الشاعر بقدرته على نظم الكلمات أو إحكام القافية فحسب، بل بما يحمله من ثقافة ومعرفة تمنحه اتساعًا في الرؤية وصدقًا في التعبير. فالكلمة الجميلة قد تستوقف القارئ، أما الكلمة التي تقف على أرضٍ من المعرفة فهي التي تبقى في الذاكرة وتترك أثرها مع مرور الوقت.
والشاعر، في تقديري، لا ينبغي أن يحبس نفسه داخل حدود القصيدة، بل يجعل من القراءة والتأمل ومخالطة الحياة زادًا لا ينقطع. فالتاريخ، والجغرافيا، واللغة، والأدب، وما يمر بالإنسان من تجارب، كلها تنساب إلى القصيدة بهدوء، حتى وإن لم يتعمد الشاعر إظهارها. وهنا يكمن الفرق بين نص يُقرأ مرة، ونص يعود إليه القارئ كلما أراد أن يستعيد متعته.
ولهذا تبدو بعض القصائد أعمق من غيرها، لا لأنها أكثر تعقيدًا، بل لأنها تحمل وراء كلماتها معرفة، وتستند إلى رؤية أوسع للحياة. فالثقافة لا تُقاس بكثرة المعلومات، وإنما بحسن توظيفها، وبقدرة الشاعر على أن يضع كل معنى في موضعه، من غير تكلف ولا استعراض.
ومن جهة أخرى، فإن القارئ شريك في هذه الرحلة. وكلما اتسعت دائرة اطلاعه، ازداد تذوقه لما يقرأ، وأصبح قادرًا على التقاط الإشارات والمعاني التي قد تمر على غيره مرورًا عابرًا. ولعل هذا ما يجعل القصيدة الحقيقية تكبر مع الزمن، فكل قراءة تكشف فيها معنى جديدًا أو زاوية لم تكن ظاهرة من قبل.
ولأن الشعر ابن الحياة، فإنه يحفظ شيئًا من ملامحها، ويوثق ما يختلج في النفوس من مشاعر وأفكار، ويمنحها لغة تبقى بعد أن تمضي الأيام. والشاعر المثقف لا يكتب ليملأ السطور، بل يكتب لأنه يرى ما وراء الكلمات، ويمنح القارئ فرصة ليراه معه.
وفي النهاية، تبقى الثقافة خير معين للشاعر، فهي التي توسع أفقه، وتصقل أدواته، وتمنح قصيدته عمقًا لا تصنعه البلاغة وحدها.



