في زمنٍ صارت فيه المسافات تُختصر بضغطة زر، يبدو أننا نعيش مفارقة غريبة: كل يوم نقترب أكثر «رقميًا»... لكن نبتعد أكثر «إنسانيًا» صرنا نعرف تفاصيل حياة بعضنا، نضحك على نفس المقاطع، ونشارك نفس الأخبار، لكن يبقى السؤال حاضرًا في بالي دائمًا: هل فعلاً قرّبتنا وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم جعلت بيننا حواجز من نوعٍ جديد؟
بين زمن البساطة وزمن السرعة أنا من جيل عاش بين عالمين مختلفين، أتذكر طفولتي يوم كان الجوال بالكاد يُستخدم للمكالمات، وكانت اللقاءات العائلية والمجالس هي منصاتنا الحقيقية للتواصل، كانت الأخبار تُقال بصوتٍ مباشر، والضحكات تُسمع لا تُرسل، أما اليوم، فكل شيء تغيّر، صرنا نرسل «إيموجي» بدل مشاعرنا، ونكتب «اشتقت لك» بدل أن نطرق باب أحدهم.
القرب السطحي.. والدفء المفقود
من زاوية إعلامية، لا شك أن وسائل التواصل غيّرت شكل العلاقات الإنسانية، هي سهّلت التواصل، وفتحت لنا عوالم جديدة، لكنها في المقابل خلقت نوعًا من القرب السطحي، الذي يعتمد على الصورة والانطباع لا على التفاعل والمشاعر الحقيقية، صار «الاهتمام» يُقاس بعدد الإعجابات، و»الحضور» بعدد المشاهدات، بينما العلاقات العميقة أصبحت نادرة مثل الرسائل الورقية القديمة.
التقنية ليست العدو
رغم كل ذلك، لا أرى أن المشكلة في التقنية نفسها، وسائل التواصل قد تكون جسرًا يصل الناس ويمنحهم فرصًا للتعلم والعمل والتأثير، لكنها أيضًا قد تكون جدارًا من العزلة إذا استخدمناها كبديل عن اللقاء والاهتمام الحقيقي، المسألة في النهاية ليست في الوسيلة، بل في النية وطريقة الاستخدام.
في الختام، ربما قرّبتنا التقنية في الشكل، لكنها اختبرت إنسانيتنا في الجوهر، القرب الحقيقي لا تصنعه التطبيقات، بل يُولد من الصدق، من كلمة تُقال بوقتٍ صادق، ومن حضورٍ لا يحتاج اتصالًا، الشاشة لا تقرّب ولا تُبعِد، نحن من نحدد المسافة.
[email protected]



