هكذا قالها موظف قديم لزميله الجديد حين سأل عن جهاز معطل في زاوية المكتب. هذه الجملة ليست غريبة، بل تختزل نِّظْرة بشرية راسخة، إلا وهي الخوف من التغيير، والتمسك بالوضع الراهن، ولو كان معطلاً. كأننا أمام لافتة، تحذرنا من الاقتراب من المجهول، مهما بدا براقًا أو واعدًا.
في الثقافة الشعبية، يتردد مثل غربي قديم يقول: “الشيطان الذي تعرفه خير من الذي لا تعرفه.” وهذا القول يُستخدم كثيرًا لتبرير البقاء في أنماط حياتية أو مهنية لا ترق إلى الطموحات، تحت ذريعة “الأمان”. لكنه في الواقع يُسهم في وأد الكثير من الفرص، وتعطيل عجلة التطوير.
ومن منظور علم النفس، عدّ التغيير حدثًا مهددًا لدماغ الإنسان؛ فالعقل يحب التوقعات والنمطية، ويخشى ما لا يمكن التنبؤ به، وتشير دراسة نُشرت في مجلة هارفرد بزينس رفيو، أن 70% من مبادرات التغيير المؤسسي تفشل بسبب مقاومة الموظفين، وليس لخلل في الخُطَّة، أو نقص في الموارد. وبتوسيع النظرة إلى المجتمعات، نجد أن المقاومة الجماعية للتغيير، هي أحد أبرز أسباب تعثر المشروعات التنموية في العديد من الدول.
ولعل قصة “نوكيا” تكاد تكون الدرس الأبلغ في معضلة التغيير. ففي أوائل الألفية، كانت نوكيا تهيمن على سوق الهواتف المحمولة بنسبة تجاوزت 40% عالميًا، وكانت أيقونة الابتكار الفنلندية، لكن في ذروة نجاحها، تجاهلت نوكيا علامات التحول إلى الهواتف الذكية العاملة باللمس، ولم تتعامل بجدية مع نظام “أندرويد”، متمسكة بنظام تشغيلها القديم، وبطريقة تفكير تقليدية، تجعلها ترى أنها تعرف السوق أكثر من أي أحد آخر، وفي غضون سنوات قليلة، انقلب المشهد، فدخلت شركات جديدة مثل “آبل” و”سامسونغ” بأجهزة ذكية، تقدم تجارب مختلفة جذريًا. وبحلول عام 2013، انهارت حصة نوكيا في السوق، واضطرت إلى بيع قطاع الهواتف بالكامل لشركة “مايكروسوفت”، لذا نجد أن التاريخ لم يعاقب نوكيا على فشلها في التطوير، بل على خوفها من التغيير.
ومما يجدر الإشارة إليه، أن التغيير ليس عملية سهلة، بل يعتريها عقبات أهمها هو، القبول النفسي والفكري، فعندما نقبل بأن التغيير ليس “عدوًا” بل “أداة”، تنقلب المعادلة. فالتغيير المدروس القائم على البيانات والتجربة ليس قفزًا في المجهول، بل انتقال محسوب نحو الأفضل، وبحسب تقرير ماكينزي لعام 2024، فإن الشركات التي تتبنى استراتيجيات تحول تدريجي ومدروس تحقق نموًا في الإنتاجية بنسبة تصل إلى 25% خلال خمس سنوات مقارنة بالشركات التي تتبع الأنماط التقليدية.
ولتغيير ناجح، ينبغي لنا إتباع الخطوات التالية:
البدا بالتغيير العقلي: عبر تدريب الأفراد على فهم طبيعة التغيير وأبعاده النفسية والعملية، للتقليل من مقاومته، ثم عبر توفّر معلومات دقيقة: فكلما زادت الشفافية في شرح أسباب التغيير وأهدافه، قلّت المخاوف المحيطة به، وتجدر الإشارة هنا أهمية العمل بشكل تدريجي، فالتغيير يَجِبُ ألاّ يكون دفعة واحدة، بل يمكن أن يكون تراكميًا، مما يسهل تقبله، كما يوصى بالاحتفاء بالنجاحات الصغيرة، عبر رصد وتحفيز النجاحات المرحلية، مما يُشجع الفريق على الاستمرار، وأخيراً عبر الاستفادة من الشخصيات الملهمة والمؤثرة بشكل ايجابي ، بواسطة تسليط الضوء على قصص نجاح التغيير، مما يعزز القناعة بإمكانية حدوثه وتحقيقه.
التغيير ليس هو العدو، بل الخوف غير المبرر منه هو العقبة الحقيقية. العالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والمجتمعات التي تؤجل قراراتها المصيرية بانتظار “الوقت المناسب” قد لا تجد نفسها في خريطة المستقبل. نحن لا نعيش في زمن يكافئ الثبات، بل في زمن يكافئ من يتعلم، ويتطور، ويتغير.
وخلاصة القول، إن إعادة تعريف علاقتنا بالتغيير، والقدرة على تجاوز العقبة الأولى، ألا وهي الخوف، هو التحدي الأكبر في هذه العملية، لكن حين يُكسر هذا الحاجز، يصبح التغيير لا مجرد احتمال، بل ضرورة وميزة تنافسية ومصدرًا للنجاة.



