ولتعظيم أثر ذلك برزت الحاجة إلى صناعة الوعي الفردي والمجتمعي، والعمل على إعادة صياغة المنظومة الفكرية للتعامل مع المرحلة الحالية والمستقبلية بفاعلية وكفاءة مهنية.
والمتابع اليوم للرؤية الوطنية في عامها التاسع يلحظ تعددية ملامح التحول المؤسساتي بالمملكة، والتي تجلت في انتقال الدولة من منطلق الحكومة والذي يُعد من أقدم الأنظمة لإدارة المجتمعات ورعاية شؤونها وممارسة السلطات وضبط السلوكيات وفق نماذج إدارية حكومية أثبتت فاعليتها خلال الفترات التاريخية والتنموية الماضية، إلى منطلق المنظومة والذي يُعد تحولاً استراتيجياً في منهجية الإدارة والقيادة للقطاعات باعتبارها وحدة واحدة متكاملة تتكون من عدة عناصر مترابطة ومتفاعلة، فبدلاً من التعامل مع كل قطاع أو وزارة على حدة، يتم النظر إلى الدولة كوحدة واحدة ذات أهداف مشتركة بالتنسيق وتحقيق التكامل بين جميع القطاعات لتحقيق هذه الأهداف.
حيث أصبحت عقلية المنظومة الوطنية متعددة المحاور هي المنهجية المعتمدة في إدارة التحولات الخارجية السياسية، والتحولات الداخلية المتعلقة بالجوانب التنموية والثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية وغيرها، والتي أحدثت تغيراً جوهرياً في عقلية الأفراد قبل هياكل المؤسسات والقطاعات، وتحول في فلسفة القطاعات والأدوات.
وبدراسة تلك العقلية نلحظ ارتكازها على قاعدة مهمة تتمثل في ارتباط أجهزة الدولة مع بعضها البعض، وتأثيرها المباشر وغير المباشر في مستويات أداء الدولة كمكون واحد. كما أصبحت القطاعات تعمل وفق مفهوم تحسين الكفاءة وتجنب الازدواجية في العمل وتوزيع الموارد بشكل أفضل، والعمل وفق منطق سلاسل الأثر وأهمية استدامته لا وفق منطق سلاسل المسؤوليات والقيام بالمهام المجردة، ولأجل ذلك أطلقت الدولة -أيدها الله- حزمة من البرامج التمكينية والتأهيلية للقطاعات والعاملين بها، ومنحهم مساحة واسعة من الابتكار والإبداع الإداري، والانطلاق من السياسات والتعليمات والتشريعات كمنصات وأُطر للعمل، لا كتعليمات جامدة العقلية، حرفية التنفيذ، وتشجيع الأفراد على تقديم مقترحاتهم وآراؤهم حيالها من خلال منصة استطلاع، وتوسيع أدوات التفاعل والتي كان لتلك المرونة أثر في تعزيز التنمية المستدامة، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من خلال مكاتب تحقيق الرؤية كمسرّعات تنفيذية وليست ككيانات رقابية، وإشراك القطاع غير الربحي بمؤسساته الأهلية وجمعياته التنفيذية في إدارة عدد من الملفات الاستراتيجية كالتعليم ولصحة، والثقافة، والتنمية الاجتماعية، وتشجيع متابعة وتقييم أداء القطاعات وتصحيح المسار من خلال الكيانات المنشأة لذلك كهيئة الرقابة ومكافحة الفساد «نزاهة» ومركز كفاءة الإنفاق و المركز الوطني للحوكمة لإعادة توزيع أدوار التأثير.
وأخيراً فهذا التحول يمثل جانباً مهماً في ظل التحديات المعاصرة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي والمتمثلة في الحاجة للاستدامة المالية والبيئية، والقضاء على الفقر والبطالة وإيجاد فرص العمل، ودعم عجلة الاقتصاد المحلي والمشاركة في الناتج المحلي للدولة، وتعزيز منظومة الابتكار وتشجيع فرصه ودعم الاقتصادات الناشئة عنه، وحماية حقوق المبتكرين ورواد الأعمال، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدواته في مختلف المجالات الحياتية.
ومن الجدير بالذكر أن تلك التحديات لا يمكن أن تُحل نهائياً من داخل جدران ومكاتب الجهات الحكومية فقط بل تتطلب منظومات تفكيرية مرنة ومفتوحة ومترابطة بجهود تكاملية ذات رؤية ورسالة وقيادة واحدة، فالرؤية الوطنية لم تنشئ هيئات تطويرية، ومراكز وطنية، وصناديق تنموية فقط بل أسست شبكة وطنية مرنة أعادت تعريف القيادة ومعطياتها، وأوضحت مقدرات وسمات صُنّاع ومنفذي القرار، ومنهجيات قياس الأثر وأدواته .
[email protected]


