هي صورة بسيطة تُشبه إلى حد كبير واقعًا نعيشه في كثير من محيطاتنا، سواء داخل الأسرة، أو في بيئة العمل أو حتى بين الأصدقاء، ففي الأسرة قد يكون هناك فرد يتصرف بأنانية، لا يراعي مشاعر من حوله، يرفع صوته، ويكسر الاحترام بحجة «أنه معتاد على ذلك». تتجاهله الأسرة، تبرر تصرفاته، وتغلف سلوكياته بعبارات تبرر له هذا السلوك حبا بالأسرة وحرصا على لم شملها، لكن دون إدراك، تبدأ العدوى بالانتقال، ويبدأ الاحترام يتآكل، والحوار يختفي، ويحل محله التوتر والصمت المُر، وربما تجد طفلًا صغيرًا يبدأ بتقليده، ظنًا أن ما يفعله هو الطبيعي، لكن الأسرة السليمة تقوم على الرحمة والتقدير، وعلى الجلسة الطيبة والكلمة الحلوة والدعاء في ظهر الغيب.
إذا تسلل بينهم فرد يحمل الغل والحسد والسلبية، لا يلبث أن يُشعل المشاكل، ويُحطم المعنويات، ويفرق شمل الأسرة، وهكذا في بيئة العمل، فوجود موظف سلبي أو مدير متعجرف يُشبه تسرب قطرة زيت في بركة ماء صافية، لا يُرى أثرها سريعًا، لكنها تُغيّر الطعم واللون، فالموظف المتكاسل إن تُرك دون محاسبة، يُثبّط الحماس، ويُربك مسار الجادين، والمدير الظالم قد يُجبر المبدعين على الرحيل، تاركًا خلفه بيئة خاوية من الولاء والانتماء، لكن الأخطر من هذا وذاك، حين تكون القيادة نفسها جزءًا من المشكلة، حين يتحول بعض القادة إلى صُنّاع ضجيج، لا يرون في النجاح المؤسسي إلا فرصة لالتقاط الصور، ولا في الإنجاز إلا منصة للظهور الشخصي، هؤلاء لا يضعون الموظفين على طريق التميّز، بل يدفعونهم نحو دوائر الصراع، ويفتحون نوافذ التوتر بين الصفوف، تلك النوعية من القادة تقتل الطموح ببطء، وتُفرغ المعنى من كلمات مثل «فريق العمل»، و»روح المؤسسة»، و»تحقيق الأهداف»، فلا يمكن لمن اعتاد إشعال الفتن أن يزرع بيئة استقرار، ولا لمن يرى التنافس تهديدًا أن يصنع بيئة إنجاز، والمؤسسات لا تنهار بسبب ضعف في الخطط أو نقص في الموارد، بل تنهار عندما تُدار من قبل من لا يثق إلا في نفسه، ولا يرى في الآخرين إلا أدواتٍ لتلميع صورته.
وفي دائرة الأصدقاء قد يكون هناك من يتغذى على الدراما، يُحرك المواقف كعرّاب خلف الستار، يثير الفتن ثم يتوارى، والرسالة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ لا تكن سببًا في تعكير محيطك، بل كن عنصر توازن وإصلاح، والمجتمع الواعي لا يتجاهل السلوك المؤذي، بل يعالجه بالحكمة، قبل أن يتحول الضرر إلى واقع يصعب إصلاحه، فكونوا كالحبة الطيبة التي تُغري من حولها بالنضج، لا التي تُغريهم بالتساهل في الأخطاء. وازرع في كل محيطك أثرًا طيبًا لا يُنسى.
[email protected]



