في الوقت الحاضر هناك العديد من أدبيات التواصل التي تعتمد على هذا المنهج في النقد البنّاء.
سأتحدث اليوم عن ما يُعرف بـ « استراتيجية البرجر « حيث تعتمد هذه الاستراتيجية على ثلاث طبقات، تشبه طبقات شطيرة البرجر، أولها، الإيجابية الافتتاحية، وهي مدخل لطيف يبدأ بالثناء أو التقدير، ثانيها، جوهر التوجيه أو الملاحظة التصحيحية، وتُقدَّم بلغة محايدة أو رقيقة، وثالثها، الإغلاق التحفيزي، لتأكيد الاحترام وتشجيع التطور.
وهذا تماماً، ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، في حديثه مع أبي بكرة حين تعجل الركوع دون الصف، فقد بدأ بالإشادة به قائلًا: «زادك الله حرصًا»، وهو تعبير يحمل التقدير لنيته الطيبة، ثم أتبعها بتوجيه رصين: «ولا تعد»، دون عتاب أو قسوة، وإنما نهي لطيف يُبقي الباب مفتوحًا للتصحيح دون إحراج.
وما أحوجنا اليوم إلى هذا الأسلوب، حيث يغلب على عالمنا السرعة والانفعال، وكثيرًا ما يتحوّل النقد إلى لوم، والملاحظة إلى هجوم. فنفقد بذلك جوهر الرسالة التربوية أو التطويرية، ويعلو صوت الجرح على نية الإصلاح، إننا حين نمارس التوجيه بروح التقدير، فإننا نفتح باب النمو، لا نغلقه بالخجل أو الدفاعية، ويصبح معه التوجيه وسيلة لبناء الثقة، لا لهدمها.
ولكي نمارس فن التوجيه الإيجابي، نحتاج إلى نية مخلصة، ولغة راقية، وخيال تربوي يضعنا في مكان من نقوم بتوجيهه، فعلينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نتحدث: هل كلماتي ستُصلح، أم تُحرج؟ هل سيفهم الآخر نيتي، أم تُغلق عليه عباراتي الباب؟
فعلى سبيل المثال عندما يتأخر أحد الموظفين عن العمل، ينبغي علينا ان نستبدل جملًا قاسية مثل: «أنت دائمًا متأخر»، بعبارات تحمل التقدير:
«نقدّر جهودك، ونتمنى التزامًا أكبر بالوقت، لأن وجودك يصنع فرقًا.»
وخلاصة القول، إذا أردنا أن نوجّه دون أن نُهين، وأن نُصلح دون أن نكسر، فلنبدأ من مدرسة النبوة.
ولنتذكر دائمًا ذاك الموقف النبوي مع أبي بكرة -رضي الله عنه-.
فلنقدّر النوايا، ونصوّب الأفعال، ونصنع الفرق بكلمات تحفظ الود وتُنمّي الإنسان.
إنه توجيه بنفَسٍ نبوي أثمن من الذهب، لا يُنسى، ويعين على التحسّن دون جَرح، وعلى النهوض دون عتاب.
[email protected]


