هم أولئك الذين بذلوا من وقتهم وجهدهم، فصاروا نهرًا جاريًا في صحن الطهر، يروون القلوب قبل الأجساد، ويثبتون أن العمل التطوعي في أطهر البقاع ليس مجرد مساعدة عابرة، بل هو عبادة موصولة برضا الله.
في شهر رجب الماضي، بدأت رحلتي إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وما إن دخلت صحن الكعبة حتى أبصرت مشهدًا استوقفني طويلًا: كوادر طبية تسير بثبات، يخدمون المعتمرين بكل احتراف ورحمة، هناك من يُسعف مريضًا، وآخر يُخفف آلام جريح، وثالث يثبّت حالة طبية في لحظة حرجة، في تلك اللحظة، شعرت أنني لا يجب أن أكون متفرجًا، كنت قد فكرت مسبقًا في التطوع، فأحضرت معي زيي الطبي، وحين اجتمعنا في توسعة الملك عبدالله - رحمه الله - ابتدأت نوبتي المسائية، وكان الزحام كبيرًا، والحالات متعددة بين انخفاض في الضغط والسكر.
ورغم التعب، كانت كل لحظة تصنع أثرًا، وكل دعاء من مريض يُنعش روحي، وعند انتهاء النوبة، همست لنفسي: «لابد من العودة...» ومضت الشهور، حتى أتى شهر الرحمة، رمضان عزمت على قضاء العشر الأواخر في مكة المكرمة، وتوجهت في السابع عشر منه، كان التطوع في رمضان يحمل نكهة مختلفة، بين صوت الأذان، وازدحام الطائفين، ورغم العطش الذي يرافقنا في ساعات الصيام، كنا نرتوي بدعوات المعتمرين، تلك التي تلامس الروح قبل الجسد، فتنسينا تعب النهار، وتمنحنا يقينًا أن ما نقدمه، وإن كان بسيطًا، عظيم في أثره.
ومع كل حالة، كانت تتجلى الآية الكريمة: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» -البقرة: 195- أذكر ابتسامة ذلك المعتمر الذي قال لي: «ابتسامتك تردّ الروح يا بني» وكلمات الحاجة العراقية: «ألف رحمة تنزل عليك من الباري» لم تكن مجرد كلمات، بل كانت وقودًا يستمر في قلبي حتى الآن.
ما بين الأمس واليوم، أصبحت قائدًا لإحدى النقاط الإسعافية في بيت الله الحرام. أشرف على فريق من المتطوعين الذين يجمعهم شغف العطاء وروح الخدمة، نعمل معًا بروح واحدة، نحمل همّ الزائر، ونستشعر قدسية المكان في كل موقف نمر به.
وفي نهاية الشهر، غادرت مكة ليلة العيد، وكنت مشبعًا بالروح واليقين: «لابد من العودة...» وفي موسم الحج لعام ١٤٤٦هـ، عدت إلى مكة، وهذه المرة من بوابة الدمام مرورًا بالرياض، ومن الرياض حتى وصولنا إلى سكننا في مكة المكرمة في بطحاء قريش.
بدأنا مهامنا منذ الصباح، نحمل معنا أدواتنا، ومعها نية خالصة بأن نكون عونًا للحجاج، كانت شمس ذو الحجة حارقة، لا ترحم، تنسكب أشعتها على رؤوس الحجاج وهم يطوفون ويقضون مناسكهم بكل خشوع.
ورغم ما في الأجواء من حرارة وإرهاق، إلا أن القلوب كانت مملوءة بالرحمة، والأيادي لا تهدأ.واجهنا حالات إجهاد حراري، وانخفاض السكر، فكنّا نحاول قدر الإمكان أن نكون ذلك الظل الذي يُمدّ للمرهق، واليد التي تواسي، والدواء الذي يخفف. كل حالة كانت درسًا في الإنسانية، وكل حاجّ كأنما هو والد أو أخ أو ابن.
كنا نرى الحجاج الذين يحتاجون رعاية طبية، فيهرع الفريق إليهم بكل ما أوتي من سرعة ومهارة، وكأننا نُسابق الزمن. لم يكن الإسعاف مجرد عمل طبي، بل كانت مواقف رحمة حقيقية تتجلى في أرض الواقع.
وفي يوم عرفة، التقت العزائم بالإيمان، وتجلّت صور من أعظم صور الرحمة في ميدان الخدمة؛ حيث تتعانق العبادة بالخدمة، وتسمو الروح وهي تواسي وتواكب وتُسعف وتُطمئن.
وفي ختام هذا العام الهجري والذي لا أستطيع أن أعتبره وداعًا، بل هو بداية لمسارٍ جديد، لقد كانت هذه التجارب جزءًا من رحلتي الشخصية، رحلة إنسانٍ تطوّع بإمكاناته الطبية وخبرته المتواضعة، وسعى لأن يترك بصمة في قلب كل من قابله.
وأستلهم في هذا المقام قول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله –:
«إن خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف الرحمن، شرف عظيم، ومسؤولية كبيرة نعتز بها.»
[email protected]



