لا أعرف ما إذا كانت هذه معضلة ذاتية، أم يشاركني ذات الأمر أشخاص آخرين، إن الذي نعيشه في مجال الإعلام يبدو مربكًا ومرهقًا في ذات الوقت، ويجعلني أؤمن جازمة بأنها حقًا "مهنة المتاعب" وأعني بذلك العادات والمهام التي تتطلب منا ذهنًا صافيًا للتحرير والتحليل باحتراف وحنكة، وجسدًا متأهبًا للتصوير والإنتاج كعدسة لا تنطفئ وعين لا تغفو، وروحًا شغوفة تتقد إقدامًا، لا تكلّ عن السعي ولا تملّ من العطاء.
وفي وسط هذا الازدحام نغفل أحيانًا عن ذواتنا، عن حاجتنا للسكينة، للتأمل، للتوقف، وللصمت، فلا صوت في الداخل يعلو على ضجيج الخارج، ولا مساحة للفراغ بين فكرةٍ وأخرى، أو بين مهمةٍ وأخرى، من هنا جاء تساؤلي كيف يتخفف الإعلامي؟ كيف يجد لحظة هدوء لا تسبقه فيها الأحداث؟ وكيف يصون ما تبقى من طاقته؟ ربما نحن في مجال لا نملك فيه رفاهية الانقطاع، لكننا نملك حق التوازن.
يبدو غريبًا أن أُدرك اليوم هذا الحق المشروع بعد مضي ثمانية أعوام في المهنة، على الرغم من أني لم أكن في أي عام منها مضطرة على عدم التوقف، ولا مجبرة على العطاء والسعي، في وقت لا يسعى فيه الكثير بقدر ما يستريحون، أتذكر الآن مقولة محمود درويش: "اليوم أخطو برفقٍ أكثر، بعد أن ركضت لوقت طويل خوفًا من أن يفوتني شيء، وفاتني كل شيء".
إن الاعتراف بهذا الحق لم يكن انسحابًا أو ترفًا أو حتى ضعفًا، بل خطوة نضج ووعي تام بأن التوقف أحيانًا هو السبيل للحفاظ على جودة العطاء واستمراريته بالصورة التي ترضينا، هذه الخطوة علمتني أن التوقف ليس نهاية، بل بداية جديدة لإعادة شحن الذهن والروح، وأن المساحة التي نمنحها لأنفسنا من هدوء وصمت هي التي تسمح لنا بالاستمرار بقوة وثبات وحكمة، وأن هذا القرار الذي نتخذه هو حماية للنفس وعناية بالجسد ورعاية للعقل، يمكننا القول: التخفف هو فن الحفاظ على الذات في زمن السرعة، وضرورة لا غنى عنها لكل من يود أن يبقى حاضرًا بوعيه قبل أن يكون حاضرًا بعمله.



