في وقتنا الحاضر، قد يتفق معي الكثير، بأن حق الأب فيه تقصير كثير في عديد من جوانبه المضيئة، لا أطلب إطلاقا أن يكون حق الأب على حساب الأم أبدا ولكن أن يكون عدلا وليس تساويا، الفكرة الدارجة بأن الأم هي الحمل والوضع والحنان، وأن الأب هو الكدح والتعب وتأمين العيش، أرى ذلك قليلا وجزئيا فحقهما ودورهما أكبر وأشمل من ذلك بكثير.
فإن وجدت زوجين صالحين بكرهما الأول قد تجاوز الستين عاما، فاعلم أن هذه الستين كانت مشروعا عظيما مليئة بكثير من الحقبات المختلفة تخللها أمل وألم وسهر وفرح وراحة وتعب وتعليم وتأمين ودعاء وطلب وخوف وحرص ودموع وابتسامات وشقاء وقلق. وبما أن حديثي اليوم عن الأب، فأقول أن هذا الرجل كائن عظيم بكل ما فيه، نعم بكل ما فيه من شدة وهيبة وشموخ وعطف وتحمل ووقار وقوة وضعف، هذا الرجل الذي يقلق ليلا ويعمل نهارا لا تغفو عينه إلا وهو يرى مستقبل أسرته في خياله ثم في أحلامه ثم يسعى لمواصلة تحقيقه في صباحه، هذا الرجل ليس فقط مسؤولا، بل مربيا ومسيرا ومراقبا وقلقا وصاحب قلب مغلف بالحديد ولكنه من الداخل أرق من زهر الياسمين.
دمعة الوالد التي نادرا ما تنحدر إلا أنها تجمع دمعات في دمعة لا تخرج إلا من شدة وقوة بأس بعد عدة محاولات لخروجها فكان الكتمان وعدم الإنكسار سدين في وجهها، أثقل ما على الوالد أن يظهر إنكساره أمام عائلته لأنه يخشى عليهم أكثر مما يخشى على نفسه. الوالد أمان واطمئنان وظل ظليل عن شمس المستقبل.
الوالد جسم يمشي وكل حواسه تحف عائلته، عقل يدبر السعادة ويرسم المستقبل وقلب يحتوي الدفء وعينان ترقبان الأمل، وأكف ترفع يدها إلى الله تبتهل بالدعاء.
حين كنت صغيرا كنت كأي صبي يلعب مع أصدقاءه قرب المنزل وحين أحس بأي خطر من أصدقاء سوء أو سيارة مسرعة أذهب سريعا الى باب المنزل وأطل من خلاله على الفناء لأرى حذاء والدي عند الباب، فإن كان موجودا فهذا هو قمة الأمان والإطمئنان بالنسبة لي.
[email protected]


