كان العيش وحيدة أحد أعظم الدروس التي تعلمتها، خصوصًا في زمن كان الجلوس وحيدة في مقهى أو تناول وجبة في مطعم يثير نظرات الاستغراب. بدأ الأمر كشيء فرضته الظروف، ثم تحول مع مرور السنوات إلى عادة محببة، ثم إلى مساحة أجد فيها راحتي وصدقي مع نفسي. مساحة لا أحاول فيها أن أثبت شيئًا لأحد أو أشرح نفسي لأحد.
وربما لهذا السبب لم يكن السفر وحدي قفزة كبيرة، بل امتدادًا طبيعيًا لأسلوب حياة اعتدته ثم أحببته. لم يكن السفر بحد ذاته هو الرغبة، بل ما يمنحه لي من ساعات طويلة مع نفسي؛ ساعات تجعلني أرى ذاتي بوضوح أكبر، وأفهمها أكثر.
إن الخلوة بالنفس من أكثر التجارب خصوصية التي لا يستطيع أحد أن يعيشها بالنيابة عنا. فهناك جزء من معرفة الإنسان بنفسه لا يُكتسب من الكتب، ولا من نصائح الآخرين، ولا حتى من العلاقات، بل من اللحظات التي يقضيها مع نفسه دون ضجيج. وفي تلك اللحظات قد نكتشف ما الذي يطمئننا، وما الذي يخيفنا، وما الذي نستطيع تقبله في أنفسنا، وما الذي ما زلنا نقاومه.
لهذا أعتقد أن قدرة الإنسان على الاستمتاع بوقته مع نفسه ليست دليلًا على حبه للعزلة، بل علامة على علاقة صحية ومتوازنة مع ذاته. فالتصالح مع النفس لا يعني أن نكون راضين عن كل شيء فينا، وإنما أن نعرف أنفسنا كما هي، بعيوبها قبل مميزاتها، وأن نتعامل معها بصدق ورحمة، لا بإنكار أو هروب.
إنني بدأت أؤمن أن كل إنسان يحتاج إلى تجربة يخلو فيها بنفسه، أيًا كانت صورتها. ليس بالضرورة أن تكون غربة أو سفرًا منفردًا، فقد تكون ساعات طويلة يقضيها وحده في نزهة هادئة، أو رحلة قصيرة، أو حتى وقتًا يبتعد فيه عن كل ما يشتت انتباهه. المهم أن يمنح نفسه فرصة ليصغي إلى صوته الداخلي، وأن يلاحظ أفكاره ومشاعره دون أن يسارع إلى الهروب منها.
قد لا يستمتع الجميع بهذه التجربة، بل قد تبدو ثقيلة في بدايتها، لأن مواجهة النفس ليست دائمًا سهلة. لكنها تجربة ثرية؛ فهي تكشف لنا جوانب من شخصياتنا لم نكن نعرفها، وتمنحنا فرصة لفهم مشاعرنا، ومراجعة أولوياتنا، وبناء علاقة أكثر صدقًا مع ذواتنا.
من رأيي، كلما تعمقت معرفتنا بذواتنا، أصبح تصالحنا معها أصدق، وأصبح حضورنا مع الآخرين أكثر راحة واتزانًا. لأن الإنسان الذي يجد قدرًا من السلام في صحبة نفسه، يكون غالبًا أكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة مع الآخرين، لا لأنهم يملؤون فراغًا داخله، بل لأن مشاركتهم للحياة تصبح اختيارًا واعيًا.



